د. عبد الرحمن هنداوي

«أبو همام الإنسان» .. بقلم الدكتور عبد الرحمن هنداوي

لا أتحدث اليوم عن أبي همام باعتباره أستاذًا رائعًا في قسم الأدب، محبوبًا بين زملائه في القسم، بارعًا في تخصصه.

كما لا أتحدث عنه أيضًا باعتباره شاعرًا مفوَّها، بل أميرًا من أمراء الشِّعر، يبحر بكلماته في أعمق بحار الشعر وأعتاها، لا يخشى منها بأسًا، ولا تعجزه أوزانها بزحافاتها أو عللها، ولا يغلبه الوزن فيسوق له الكلمات، وإنما يسوق كلماته منسجمة مع الوزن، فينساب منه الشعر انسيابًا، ويفيض منه فيضًا، ولا عجب في ذلك، فهو القائل:

 عَزِيز الـمَـدَى، حَسْبي مِنَ الشِّعْر أَنَّنِي  ** أُؤَدِّي بِهِ لِلْنَّفْسِ كُلَّ فُرُوضِ

يُتَابِعُنِي فِيه العَرُوضُ سَــمَـاحَـةً  ** وَلَـمْ أَكُ يَـومًـا تَـابِـعًـا لـعـروض

قَوَافيَّ، قَدْ أَخْفَيتُ مِنِّي جَهَادَةً  ** فَإِن تـَجْمَحِي، عِنْدَ (اللزُومِ) تَرُوضِي

كما لا أتحدث عن دراسته، وحفظه للقرآن في سن صغيرة، وتحصيله للعلوم في مصر وإسبانيا، حتى وصوله إلى درجة الأستاذية، وتعيينه في بعض المناصب الإدارية كرئاسة قسم الأدب، ووكالة كلية دار العلوم، بالإضافة إلى ابتعاثه كأستاذ محاضر أو مناقش للرسائل الجامعية في كثير من الجامعات العربية وغير العربية.

وإنما أتحدث عنه اليوم باعتبار آخر، وأنظر إليه اليوم من بُعد جديد، ألا وهو جانب الإنسانية، والأخلاق العالية، والمشاعر المرهفة، والإحساس الصادق، كلُّ تلك الصفات الرائعة وغيرها كانت تميز أستاذنا وتزينه، فتزيده رفعة عن كونه مجرد أستاذ أو شاعر أو أديب أو مؤلف، إنَّه أبو همام الإنسان.

أريد أن أقف اليوم معكم مستعرضًا بعض تلك المواقف التي مررت بها مع أستاذنا أبي همام، فعلى الرغم من قلة تلك المواقف، ومرور الزمن على حدوثها وانقضائها، إلا أنها لا تزال محفورة في رأسي لا تُمحى، ولعلَّ من أشهر تلك المواقف التي أذكرها، حين بدا سلوك أحمق من بعض أبناء دفعتي، فغضب على إثره أستاذنا، فلما أحسست منه ذلك الغضب، علمت أنه لا شيء كالشعر يصرفه عن غضبه، فنظمت قصيدة محكمة، واغتنمت فرصة ذلك الحفل الذي أقيم لتكريمه، برعاية جماعة إلقاء الشعر في ذلك الوقت، بإشراف الدكتورة شيماء إسماعيل، وألقيت قصيدتي، التي أقول فيها:

اللومُ يبحثُ عن ذنبٍ وعن شررِ ** رجلٌ هو الليثُ والأشبالُ تغبِطه

أنى يطاوِلُه والمرتقى وعِرٌ ** لو أنَّ شعرَك قد ضاق الوشاة به

الشِّعرُ قد يصطلي نارَ العذابِ إذا ** والشِّعرُ قد ينحنِي شُكرًا ومَكرُمَةً

لا تحرِمنَّ من الأشعارِ مُغتبطًا ** لم يعرِفوا أبدًا حقَّ المعَلِّمِ أو

أمضوا طرِيقَتَهُم من غير هديٍ ولا ** لكن قلبَهُمُ بالخيرِ ينبِضُ إن

عبداللطيف له حلمٌ يُزَيِّنُه ** لكنَّه غضبُ الآباءِ إن علِموا

لكنَّ شعرك في منأى عن الضررِ ** واهًا لغبطة مكفوفٍ لذي البصرِ

لا يرتقِيه بغيرِ العِلمِ والقدرِ ** فالقلبُ يخفِقُ من شِعرٍ لكم نَضِرِ

ما قامَ يلفِظُهُ فقِهٌ من الحُمُرِ ** للشاعرِ الفذِّ شكرَ الليلِ للقمرِ

من أجل ذَلَّةِ أقوامٍ على غرَرِ ** يستَوقِفُوا أمرَهم بالعقلِ والنَّظرِ

آيٍ ولا سُوَرٍ أو مُحكَمِ الأثَرِ ** قد أخطأوا ذللاً فهُم من البَشَرِ

إذا تحامق قومٌ ليس بالعَسِرِ ** أن الصَّغيرَ على شيء من الغَرَرِ

حينها ضحك أستاذنا حتى بدت نواجذه، وعفا عنَّا جميعًا، ونسي كل ما أغضبه من قبل، مثل هذه المواقف كانت تشعرك -وأنت طالبٌ- أنَّك أمام والدك الذي أغضبته ثمَّ أرضيته فنسي غضبه، بخلاف بعض الأساتذة الذين يسعون للانتقام من طلابهم بأن يشقوا عليهم في التكليفات والاختبارات ولا يقدِّرون لهم عذرًا، ولا يقبلون منهم صرفًا ولا عدلا.

ولقد كان أستاذنا لا تشغله كثرة أعداد الطلاب أن يؤثر فيهم قدر ما يستطيع، حتى يكاد كل طالبٍ أن يحمل في نفسه مواقف وذكريات لا تنسى مع أستاذه، أتذكر حينما كنَّا في الاختبار الشَّفوي كنَّا لا نشعر برهبة الاختبار أثناء مجالسته، بل نشعر كأننا في ضيافة أستاذنا، وفي صالونه الثقافي، يقرأ كل منَّا ما يريده ليقوم الأستاذ الشاعر بالتحكيم إثر ذلك، حينها قال لي اقرأ من شعرك الذي كتبته، فقرأتُ، فحينها سُرَّ كثيرًا وأهداني بعض كتبه ودواوينه، متمنيًا لي بمستقبل عظيم، لقد كان تشجيعه لنا تشجيع الوالد الذي يدفع أبناءه إلى الأمام، يأخذنا أخذًا إلى عالمه الذي يمتلئ رصانة وفصاحة لغوية، يبهرنا بجمال كلماته، وصوته الأجش، وإحساسه المرهف حين ينطق بالكلمات، نحاول أن نكون مثله لكننا لا نستطيع، نشعر بأننا نرتقي مرتقى وعرًا، وسلمًا طويلا لا تتبين مداه، كان كالجبل الأشم، نسيج وحده، أحيانًا يستعمل في شعره بعض الكلمات التي تبدو غريبة، لكنه يطوعها بطريقته فتزول وعورتها، وتنسابُ انسيابًا، وعندما سئل رحمه الله عن سبب استعماله لهذه الكلمات وتفرده بها، قال: (المرء ينفق من كيسه)، ولقد كان كيسه ملآن، يحوي الكثير من الدرر واللآليء، فقد كان يستلذ بقراءة المعاجم التي تصقل لغته، كما يستلذ أحدنا بقراءة رواية أو قصة قصيرة.

كان رغم شهرته وعلمه ومناصبه واعتداده بذاته حين يمشي بعصاه التي لا تفارقه- متواضعًا شديد التواضع، لا يتخذ حجابًا يحجبه عن تلامذته وطلابه، بل تعجب حين تجد بابه مفتوحًا دائمًا لمن يطرقه فيقول له بلا تردد: ادخل، ويجيب مسألته، ويقضي حاجته، يتلطف مع عاملة القسم، تلك السيدة المسنة التي كانت تنظف له مكتبه وتهيؤه له في سعادة بالغة بلا تأفف، يطلبُ منها كوب الشاي الذي يستلذ بشربه من يديها الكريمتين، يناديها باسمها مداعبًا فتضحك خجلا، وهي تراقب باب مكتبه دائمًا حرصًا منها أن تجيب طلبه في أسرع وقت، بل كانت تراقب باب المدرج الذي يلقي فيه المحاضرة، وتلبي طلبه بكل حب وإخلاص، لا تشعر حينها بأنها تؤدي واجبها، وإنما تشعر بأنها بين أهلها وذويها.

رحم الله شيخنا وشاعرنا وأستاذنا الحبيب أبا همام، وأسكنه فسيح جناته، وتقبله في الصالحين، وجعل قبرة روضة من رياض الجنة، وجزاه عنَّا وعن سائر طلابه ومحبيه خير الجزاء.

شاهد أيضاً

محمد شريف حسن يعتذر عن دوره في فيلم “صابر وراضي

كتبت رؤي رافت أعلن الممثل الشاب “محمد شريف حسن” إعتذاره عن دوره في فيلم “صابر …