الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

أحمد عبيد يكتب: ما بعد الإخوان وما وراء السيسي

 

 

 

         في أواخر تسعينيات القرن الماضي كتب الأستاذ/ جمال البنا كتابا بعنوان “ما بعد الإخوان المسلمون” يري فيه، ونحن معه، أن دعوة الإخوان كما أطلقها شقيقه حسن البنا، قد أصبحت متعارضة مع الحداثة في فهمها للدين، وإنه يجب عليها إبداع دعوة جديدة تمثل نقلة نوعية، وتحقق المعايشة مع العصر، مع الاحتفاظ بالقيم العليا للإسلام، وإلا فإن الجماعة تحكم علي نفسها بأن يقضي عليها التطور.

 

        وكعادة الجماعة أخذت في توسيع دورها السياسي بسماح من نظام مبارك ومارست في ذلك انتهازيتها المعروفة، حتي تعاظمت رياح التغيير وتجمعت العاصفة في يناير الثورة، لتنزل الجماعة للميدان، بعد تردد قصير، ولتعطي زخما وقوة للميدان لا ينكرها شاهد عيان أو محلل منصف، وصولا إلي تنحي مبارك رأس النظام.

 

        ومن وقتها وكلنا يعلم مواقف الجماعة النفعية، من أول تنسيقها مع عمر سليمان ومجلس طنطاوي مرورا بتعديل الدستور ودعاية الجنة والنار، ثم الاستئثار بالبرلمان وصيحة الجماعة بانتهاء الثورة في حراسة شباب الجماعة أمام البرلمان، ثم الدخول إلي فخ الرئاسة، وفي أثناء كل ذلك مناوئة كل قوي الثورة والوقوف ضدها مع ممالئة واضحة للجيش والشرطة حتى في مذابح محمد محمود، واسترضاء فج للصديق الأمريكي مازالت كلماته رنانة (نحن حريصون علي أمن إسرائيل وندعو يهود مصر للعودة.) أوقات الأزمة ونزيف الدم الغزير هما أهم دوافع المراجعة لأي فصيل أو جماعة ؛ لتطرح أسئلة كيف حدث ولماذا حدث.

 

        حتى الآن لم تراجع الجماعة مواقفها ولم يخرج من رحمها تيارا يجدد فهمها الدعوي أو خطابها الديني ويطور موقفها من الدولة ومدنيتها خصوصا في مجتمع متنوع كالمجتمع المصري، وكان لهم في تركيا المثل، ولكنهم خشوا من فقد الظهير السلفي المتجمد، الذي زايد علي الجماعة في تطبيق الشريعة، والذي أساء في ظهوره الإعلامي للدين الإسلامي وللجماعة، وأخاف عامة المصريين. لماذا لم يراجعوا خطابهم أثناء اعتصام رابعة وغباء التهديدات التي أطلقوها والتي أخافت الناس منهم وشكلت غطاءا للمجزرة مع دعاية أبواق النظام.

 

        ولم تراجع الجماعة مواقفها وفي ظنهم أنهم قدموا القرابين البشرية فداءا لزلاتها وأخطائها الفادحة. ومازالوا علي خطأ احتكار مجزرة رابعة علي الجماعة رغم أنها علامة سوداء في الضمير المصري عندما يفيق من سرابه. ولكن لا يعني سجن وتصفية قيادات الجماعة وكوادرها، وإقصاء كل من تحوم حوله شبهة انتماء لها أو تعاطف معها، أنً الجماعة قد اندثرت وأن مؤيديها قد تبخروا، وأنً فكرها قد تم القضاء عليه. بل يعني أن علينا أن نفكر كيف نستوعب ونجري توافقا لازما للسير بمصر للاستقرار، لابد سيأتي حينه. ورغم أن التاريخ لا يعيد نفسه، إلا أنً دروس خبرته تصب في الواقع، فحتي العهد الناصري صاحب الجماهيرية، وفي مناخ تعبوي عارم، وعالم يفتقد ثورة التواصل والمعرفة، ولا يعني كثيرا بحقوق الإنسان، نكل بالإخوان وأعدم من قادتهم وسجن وعذًب الكثيرين منهم، لم يستطع القضاء عليهم، بل وأدت سياساته وتهوراته إلي نكسة فادحة.

 

        أمًا النظام الممتد منذ ولاية السادات ومبارك وحتى الآن بتطوراته الإقتصادية منذ الانفتاح الساداتي، والسياسية منذ معاهدة كامب ديفيد، فإن معضلته الرئيسية مع الشعب هي العدالة الاجتماعية، فهي الاستحقاق الأكبر الذي يؤثر ويتأثر باستحقاقات الحرية والكرامة ناهيك عن الديمقراطية.

 

        العدالة الاجتماعية في بلد فقير مثل مصر استحقاق يتحمله الأغنياء وأصحاب المصالح والامتيازات وتحالف السلطة مع رأس المال. لقد نجح مبارك بعض الوقت في ستر عيوب الاقتصاد بالقوة والقمع والتخويف، وحشد للداخلية جيش جرار ضد أي تحرك يطالب بالعدالة الاجتماعية أو ما يؤدي إليها. فالحريات مثلا ستؤدي إلي كبح جماح قبضة الأمن وإلي مطالبة المواطن بحقوقه الإنسانية، وإلي رغبته في المشاركة في إصدار القرارات التي تمس حياته وبما يؤدي للخطيئة الكبرى في نظر كل مستبد وهي رغبة المواطن في الاشتراك في الحكم.

 

        ولذا يكون حديث الديكتاتور دائما عن عدم جهوزية شعبه للديموقراطية، متلازما مع كبت وتضييق حريات الشعب. وبعد ظهور دولة الجيش المصري الإقتصادية للنور واستحواذها علي جانب كبير من السوق والجانب الأكبر من الأراضي، تعقد المشهد أو تشوه لحد أن أصبحت الدولة كلها مؤسسة تابعة للجيش، وليس العكس. ومهما كانت الصورة مشوهة علي المدى القريب، فالجيش علي المدى البعيد هو مؤسسة وطنية رئيسية للدولة، وما يملكه الجيش هو قطاع عام ملك للمصريين أصحاب الحق فيه والرقابة عليه.

 

        ندرك أن عملية الترتيب الطبيعية هذه، وخطوات التخارج من مشاريع مملوكة للجيش إلي قطاع عام مملوك للشعب، تأخذ وقتا وترتيبات، وفي تركيا كمثال استغرق الأمر حديثا ثلاثة عقود علي الأقل.

 

        لم يتمكن نظام مبارك من الصمود أمام حركة الجماهير رغم العنف والقتل وإحداث الفوضى فخرج مبارك بأقل الخسائر وبقي نظامه في أسوأ وأفشل صوره، وبقي فساد النظام وقد استشري تحت أعلام الحرب علي الإرهاب، وفي ظل رسوبه في أغلب الملفات، وامتلأت السجون كما لم تمتلئ من قبل، وقتل الآلاف، ولكن لم يستقر المجتمع ولا الشعب ولا الدولة، ولن تفلح أدوات القمع في التغطية علي استحقاق العدالة الاجتماعية، التي عرفنا أنها الاستحقاق الرئيسي الذي يؤدي ويؤثر في باقي الاستحقاقات.

 

        ما بعد الإخوان وما وراء السيسي هو شعب مصر المتوافق بجملته، متخلصا من أمراض أورثتها له السلطة المستبدة، وتعصب زرعه كهنة كل سلطان، ومتطلعا لتحقيق مطالبه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ولأخذ مكانه الطبيعي بين الأمم.

شاهد أيضاً

سامي كليب يكتب: إيران بعد الأسد ؟

تمر المنطقة بأسوأ مرحلة من الاشتباك الأميركي الايراني ومن التحشيد الاسرائيلي لكسر ما تحقق في …

تعليق واحد

  1. كلها رهانات فشل واحد منها وهو رهان الإخوان ، والثانى يبدو أنه فى طريقه للفشل بالرغم من الوعود بأن آبار بترول ومزارع ومصانع ستبدأ فى العمل فى ٢٠١٧ وستقلب الموازين .
    ومثلما فشل الرهانان السابقان على الرغم من كم ثقة كل نظام بنفسه وقت توليه الحكم سيفشل الرهان الثالث الذى يراهنه الكاتب الآن على توافق الشعب المصرى وتخلصه من أمراضه .
    شعب أصبح يأكل بعضه بهذه الطريقة ليس من السهل إحداث توافق بين فسيفسائه وليس من السهل شفاؤه من أمراضه التى توطنت واستفحلت حالتها .
    لن أبكى على اللبن المسكوب عندما أقول أن ثورة ٢٠١١ كانت كفيلة بعمل كل ما يراهن عليه الكاتب الآن ، كانت كل الطوائف تتحلى بتعقل أكثر مما نراه الآن فكان من السهل عمل توافق بينها وتوحيد كلمتها ، خاصة أن ثمة من هو فى القمقم أعلن صراحة أن بإمكانه توحيد جميع فصائل الإسلاميين تحت قيادته مكونا منهم مزيجا متجانسا قويا يعمل لصالح هذا البلد ضد أعدائها الخارجيين والداخليين .
    لقد مرت اللحظة الفارقة وانتهى كل شيئ .
    تعقدت الأمور وليس هناك ما يدعو للتفاؤل أو الرهان عليه .

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co