أنا عنصرى بطبعى … بقلم: دكتوره الهام الدسوقى

تحدثت بالأمس مع أحد اساتذه علم النفس الكبار مستفسرة عن أحد الأمور النفسية الملحة وكم أسعدني الرد المقنع الشافي المتناسب مع الحدث الذي يشفي كل تساؤلاتي ولم يترك جزئية إلا وفسرها تفسير علمي مقنع واضح.

وفي نهاية حديثنا الممتع شكرته بقولي أشكرك استاذي. وهنا تغير اتجاه الحديث إلى ما لم أكن أتوقع فقد قال لي وهو في قمة العصبية : أنا دكتور ولست استاذاً.

ذهلت لفترة لم أستطع الرد فهل كلمة استاذ تعني التقليل من قدر وقيمة المتحدث وهي سبة في جبين من يعمل بالجامعة مع العلم بأن معناها الراسخ لدي يدل على أنها للتبجيل والإحترام واعتبار المتحدث معلمي الذي اقر بفضله وعلمه الذي كان لى شرف النهل من منابعه.

فشردت باحثة في ذهني عما يعتقد الناس في بعض المهن وبعض نوعيات التعليم وكيف لا يتم إحترامها من قبل الغالبية العظمي فدار بخلدي ما يعتقده الاسكندرانية عندما يأتي الصيف ويقوم البشر من جميع الأنحاء بالذهاب للبحر فيشمئز منهم الاسكندرانية معلنين أنهم فلاحين لا يليق بهم الحضور والإستمتاع بالبحر وخطر ببالي أنه لو كان الاسكندرانية من ساكني الأقاليم فسوف يقال عليهم نفس الكلام.

وذكرني الموقف بحديثي مع أحد أطباء الجراحة وكنت استشيره في ما وصفه لي أحد أطباء الباطنة من علاجات فقال لا نأخذ بوصفهم فهم الأقل في العلم ونحن الأعلى من حيث التخصص فتعجبت لأنه حتى الطبيب يتنمر على زملائه في حين أن طبيب الباطنة لا يأخذ بتشخيص الجراحين معلناً انهم غير متخصصين.

فذهبت في مخيلتي إلى ما يقال على أبناء المحافظات المختلفة فوجدت أغلب النكات نطلقها نحن من يسكن القاهرة على من هم من أقصى الصعيد مستهزئين بهم، وأهل الريف يطلقون النكات على أهل القاهرة ظانين أنهم الاقل في الكفاءة، أما أهل الصعيد فيصفون كل محافظة مجاورة من محافظات الصعيد بصفة يعتبرونها وصمة عار مع اعتبار الجميع أنفسهم الأفضل في جميع الحالات.

وعن طلابي فحدث ولا حرج، فالطبيب منهم يجد أنه أهم من المهندس، والمهندس ينظر لطالب كلية الأداب على أنه من فشله الثانوية العامة، وطالب الأداب يجد نفسه مميز عن طالب الجامعات الخاصة، أما الجميع فيجد من زملائهم المتسربين من التعليم والمتجهين للعمل بدلاً الدراسة خامة مناسبة للتشفي والتنمر.

حتي ونحن نشجع الرياضة وكلنا على مذهب واحد وهو تشجيع كرة القدم معشوقة الجماهير، فالمنتمي للنادي الأهلي يعاير من ينتمي للنادي الزمالك بعدد بطولاته، والمنتمي للزمالك يعاير المنتمي للإسماعيلي، والمشجع لأحد اللعيبة الكبار يعاير زميله المشجع للاعب أقل في المستوى.

وفي مجتمع الصديقات ويعلم الجميع أحاديثنا الجانبية، فقد اشمأزت البيضاء من السمراء على أساس أنها الأقل جمالاً ، وتباهت الطويلة على القصيرة معلنة تفوقها، ونعتت ذات عيون المها ضيقة العين بأنها تنتمي للقلة الغريبة الأطوار، وجعلت المنتقبة منهم جميعا فئة أقل في الإيمان.

وعندما حدثت صديقنا العامل في وزارة البترول، ذكر أن زميله في وزارة الكهرباء أقل في المستوي بالرغم من أن زميلنا في وزارة الكهرباء يتنمر على من يعملون في وزارة التربية والتعليم بأنهم المضاليم، والعامل في ديوان الوزارة يجد أنه الأفضل ممن يعملون في المواقع والمدارس.

كل يدافع عن إنتمائاته دون الأخرين ويجد ممن يخالفه في التعليم أو العمل أو التوجه أو السكن مادة نشطة للسخرية والتنمر والإزدراء ونسي الجميع أنهم ينالون نفس التقدير في عيون من يتنمرون عليهم ولا يدري أي منا ما يظنه الأخر في شخصه متغافلين جميعا قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

فأيقنت أن الخطأ ليس في محدثي وإنما في مجتمع متنمر بطبعه دون أن يدري. وعدت إلى محدثي أشكره مرة أخري وأقول له اشكرك استاذي. فلن أغير قناعاتي بأن من أفادني هو الاستاذ حتي وأن أنكرها على نفسه.

بقلم/ الهام الدسوقى

خبير السلوك المهني

شاهد أيضاً

نائب رئيس مجلس النواب الأذربيجاني يكتب: أرمينيا تنتهك جميع قواعد القانون الدولي باستفزازاتها

في الوقت الذي يكافح العالم جائحة كورونا وأذربيجان واحدة من الدول التي ساهمت أكثر في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *