الأربعاء , 26 سبتمبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
أنور ساطع أصفري نائب رئيس التجمّع القومي الديمقراطي الموحّد في سورية

أنور ساطع أصفري يكتب: بدائل الإسلام السياسي

لنعلم بدايةً أن معظم المتطرفين خرجوا وتربّوا وإنطلقوا من بيئتنا ومن خلال الخطاب الديني الساري في البلاد ، ومن خلال الخطاب السياسي والإعلامي بمعناه الشامل ، بمعنى أن السياسة المعمول بها في الوطن وفي الأمة سهّلت العديد من السُبل أمام اللذين يتّخذون من العنف والتطرف منهجاً بشكلٍ علني وبدون أي رادع .

قلنا مراراً لا بُدّ من إعادة الحسابات بما هو معمولٌ به ، ومراجعة كافة الخطابات الإعلامية والدينية والسياسية والثقافية والتربوية كي نستطيع تجاوز هذه الأزمة .

كما لا بُدّ من إحياء الديمقراطية في البلاد والإحتكامِ إلى صوتِ الشعب وصناديق الإقتراع بشكلٍ نزيه ، وبتر الفساد في البلاد ، والقيام بإصلاحٍ شاملٍ والبدء بالتغيير السلمي والتدريجي وصولاً إلى التداول السلمي للسلطة .

نحن نعلم أن هناك مسلمون مسالمون معتدلون وإصلاحيون ويسيرون بركب الوطن في خطواته ، وهناك أيضاً متطرفون يؤمنون بالعنف وبسياسة التكفير ، فالإسلام السياسي أخفق في مواكبة التطورات العالمية على مرّ التاريخ ، وبنفس الوقت أخفقت أنظمة المنطقة في نشر أُسس الحرية والديمقراطية في البلاد ، وإعطاءِ كلِ ذي حقٍ حقه ، وفسح المجال أمام المواطن في المشاركة الحقيقية الفاعلة في صناعة القرار السياسي والإقتصادي في البلاد .

قولاً واحداً الإخوان المسلمون “المحفل الإخواني” كان تاريخهم دموياًعلى الساحة العربية ، مارسوا الكثير من عمليات الإغتيالات والتصفيات الجسدية ، والكثير من أعمال العنف والتفجيرات هنا وهناك . فتاريخهم أسود ونشأتهم مشبوهة ، وفشلوا مؤخراً في مصر وفي عهد “مرسي” وكان الفشل مدوّياً .

حالياً علينا أن نسعى للمحافظة على تراثنا وبنفس الوقت علينا أن نحاصر الفكر التكفيري المتشدد وإعادة بناء الأجيال “أجيال الوطن” وفق خطابٍ ديني جديد ، وخطابٍ سياسي جديد وإعلاميٍ جديد ، فلا يمكن إصلاح الفكر إلاّ إذا كسرنا المحرمات “أي الخطوط الحمراء” لأن هكذا خطوط خطوط تعيق التطور الفكري وكذلك تعيقُ الإجتهاد في هذا المجال .

فنحن الآن في القرن الحادي والعشرين ولا بأسَ أن نقول “إنما بُعثتُ لأُتممَ مكارمِ الأخلاق” و “إدعو إلى سبيلِ ربّكَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة” و “من شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر” ، فالخلاف ليس مع الإسلام ، وليس مع الله ، إنما مع مّن يُصنّفونَ أنفسهم “خلفاء الله في الأرض” ، وهم أنفسهم اللذين يقتلون المسلمين وأبناء الطوائف الدينية الأخرى ومختلف الأعراق وبدونِ أي إستثناءات ، فهم يذبحون ويقتلون من كل الطوائف والمذاهبِ والأعراق في البلاد ولا يستثنونَ أحدا.

لا بُدّ من بدائل ، ولعل أهمها التمسّك بالتسويات الوطنية ، وخلقِ جبهةٍ تُمثّل الوحدة الوطنية الداخلية المتينة والمتماسكة وتعميمها على الساحةِ العربية المتراميةِ الأطراف .

وللوصولِ إلى هذه النقطة لابد من القيامِ بجولةِ حوارات ومشاورات وتفاهمات للوصولِ إلى الصيغةِ الأمثل والأنسب لتجاوز هذه المراحل مع مراعاة إعطاء كل الأقليات حقّها كاملاً وعلى كل المستويات .

وبنفس الوقت لا بُدَّ من بتر الفساد المتفشّي ومحاسبة الفاسدين المعروفين في الميدان وإسترداد مال الشعب ومال الوطن المختزن في أرصدتهم البنكية .

وذلك كي نستطيع البدء بوضعٍ إقتصاديٍ متماسك ، والذي يتفاقم يوماً بعد يومٍ الآن ، والضحية الوحيدة هي “المواطن “.

فنحن الآن في هذه المنطقة على مفترقِ طُرق ، فإذا لم نُحسن إختيار المستقبل بأدواتٍ جماهيرية سياسية تستطيع وضع بصماتها الجادة لمستقبلٍ آمنٍ ومستقر ، معنى ذلك أننا سنفشل في إيجادِ البدائل للعنفِ والتطرفِ ، ورائحة الموت والدم والدمار.

سبيلنا هو وضعُ سياسةٍ جديدة للتعامل مع كل الوطن ، ومع كل مواطن ، والتفاعل مع الجميع في هكذا منحى ، بما فيهم أبناء الأقلّيات وأبناء العشائر والوجهاء ، بهدفِ توحيد كل الجهود لمواجهةِ الخطاب المتطرف ولرسمِ سياسةٍ توافقية إصلاحية في البلاد من خلال الشفافية والنزاهة المطلقة ، وفتح قنواتِ إتصال مع كل الجهات ومع كل الآراء بعيداً عن سياسةِ الإقصاء .

وهنا نحن نأخذ علماً ، وبعين الإعتبار ، أن كل المؤسسات العاملة في المنطقة هي مؤسسات فاسدة ، لذلك من الضروري وبالسرعة الممكنة بتر هذه الإدارات الفاسدة وإستبدالها بإداراتٍ فاعلة نشطة تضع مصلحة المواطن في المقام الأول ، لتستطيع أن تجد لنفسها مخارج أمام أي أزمةٍ تعترضها ، من خلال مفهوم التفكير الإداري الإبداعي الذي يُحافظ على المؤسسة لتبقى متألقةً ومعطاءة .

الآن التنظيمات الإرهابية تلفظ أنفاسها الأخيرة في سورية والعراق ، وهي نفسها التي قالت عن نفسها بأنها القوة التي لا تنهار ، لكنها أُصيبت بهزيمةٍ لا تُحتمل . فهل ستتوقف الأمور عند هذه التنظيمات ؟ .

منذ حوالي 100 عام كان هناك ” إخوان مسلمون ” ومن ثُمّ تمت ولادة الجناح العسكري لهذا التنظيم ، ومن ثم جاءت القاعدة ، ومن ثم توالدت وجاءت تنظيمات ارهابية عديدة ومتناحرة . فهل هناك تنظيمات تكفيرية أخرى سيتم تشكيلها لاحقاً ؟ ، تحدّثوا عن ” خراسان ” وتحدثوا عن نقل الفصائل المتطرفة الارهابية من دولةٍ إلى أخرى في المنطقة ، ولكن والآن إذا لم تُسرع المنطقة والأمة لإصلاحِ أمورها فإن هذه التنظيمات ستتوالد بإسماءٍ جديدة ، وكلما أسرعت المنطقة في عملية إصلاح نفسها ، والعمل على إطلاق الحريات والديمقراطية في البلاد ، كلما أسرعت في قطع الطريق أمام التنظيمات المتطرفة والتكفيرية للعبثِ من جديد.

آخذين بعينِ الإعتبار بأن التنظيمات المتطرفة لا يزال لها خلايا نائمة في البلاد ، قد تنشط في أي لحظة يُطلب منها ذلك ، فالموضوع ليس سهلاً ، ويجب التعامل معه بكلِ حذر ووعيٍ وإدراكٍ لكلِ الأمور .

المنطقة العربية الآن ليست في مأمن ، وعلى المنطقة نفسها أن تُبادر لحل الأزمة ، ولا أن يُقترح لها وعليها أو يُفرض عليها أجندة ما .

فبات اليوم مطلوباً وأكثر من أي وقتٍ مضى في الشروع في حوارٍ عربي شامل لإبعادِ شبح العنف والتطرف عن البلاد ، والسماحِ للعقلاءِ والحكماء لأخذِ دورهم بهدفِ وقف الإستنزاف الداخلي في بلدان أمتنا.

وبتر سياسة الكراهية بين أبنائها ، وتحقيقِ مبادىء المشاركة والشراكة الوطنية ، وسحق كل مظاهر وظواهر الإقصاء والتهميش الفكري والعرقي والمذهبي حتّى تستطيع أو تتمكن كل دولة من تحقيق مفهوم الجماعة الوطنية في المجتمع والدولة والأمة .

لعل هكذا نهج يُعيد أو يُوفّر للأمة هيبتها وقوتها ونجاحها ، ويحقق لها بالتالي فرصة الدور الإقليمي الأبرز والرائد والمستقل . وهكذا دور للأمة مازال يُرسم لها وبشكلٍ مشوّهٍ وشرير في دوائر الأمن السياسي والقومي من قِبلِ الدول الكبرى .

قولاً واحداً ، لا بد من تصحيح الأوضاع السياسية وفسح المجال القانوني لكل القوى السياسية الوطنية والمتوفّرة في الفضاء العربي كي تُمارس دورها وتتكيّف مع البيئة السياسية في الميدان ،مؤكدين أنه لا تطورات ديمقراطية وتنموية كبرى ونوعية مع وجود القمع والإستبداد وإحتكار السلطة .

وحدها الديمقراطية هي التي لا تُمارس سياسة الإقصاء ، والتي لا تستثني أحدا ، وهي القادرة على توفير الأمن والإستقرار وكل متطلبات التنمية والتفدم.

والرؤية الإستراتيجية العميقة هي التي تدفعنا إلى القول أنه لا خيار أفضل من خيار الإعتراف بالآخر وبكل الأقليات وقبولها في الحلبة السياسية الوطنية .

ومن دون ذلك وبكلِ تأكيد ، هذا يعني المزيدَ من العنف والإحتقان والتوتر والتطرف ، وحروب داخلية لا رابح فيها لأنها ستدمّر الجميع ، وستعرّض كل مكاسب الوطن والمواطن إلى الإندثار والضياع ، حينها وليس سراً ستغرق السفينة بمن فيها.

شاهد أيضاً

مرصد الإفتاء يكشف مؤشرات داعشية للعودة إلى عمليات التفجير

>> المرصد يدعو إلى مبادرة عاجلة لتفكيك مصطلحات التطرف كتب – محمد الشحات: قال مرصد …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co