الإثنين , 19 نوفمبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
بوشعيب خلدون.. يرسم بإحساسه قبل فرشاته

بوشعيب خلدون.. يرسم بإحساسه قبل فرشاته

بقلم الكاتب الصحفى المغربى: حسن بيريش

1 – محراب الألوان:

كي تجعل القماش يعكس ذاتك في ألوان فرشاتك، يلزمك أن تكون فنانا.
وكي تجعل القماش ينطق بين يديك من فرط ذكاء ألوانك، عليك أن تكون بوشعيب خلدون.
ما هو برسام يقف أمام لوحة ذات سطح له بعدين.
بل هو عابد في محراب ألوان يداعب مكنونها بنبضه قبل أصابعه.
لذلك يتجلى بوشعيب خلدون، في كل لوحة يبدعها – لا أقول يرسمها – فنانا يميط اللثام عن دخائل الألوان.ويغري القماش بتقبيل فرشاته امتنانا لسطوعها!

2 – المخيلة الساطعة:

ما من مرة التقيت بلوحة له، أو مارست خلوتي مع ألوانه، إلا وتذكرت قول بول سيزان:
“أحس باللون.أرى بعين القماش.وأنطق بلسان المخيلة”.
بوشعيب خلدون يجسد ذلك بمهارة مأخوذة بهاجس التفوق.
طاعنة في طموح الاختلاف.
ضليعة في عشق الجمال.
هو يتماهى مع اللون، في كثافة تعبيراته البصرية، بخشوع نادر.ثم يحاوره من مسافة الإحساس.
فإذا استوى التماثل الساحر بين اللون والفرشاة، بين الضوء والظل، شرع توا في الإبداع.
المسألة هنا لا تتعلق بمزج لونين لاشتقاق لون ثالث.
بل مزج لون وإحساس لاشتقاق بعد ثالث للجمال.
وإذ يكون ماثلا في حضرة اللوحة، يستعير بصر القماش لينتهي عند بصيرة الفن.
يرى بعين الأبعاد الرباعية للقماش، ليقبض على أقاصي التعبير الخفي في اللوحة.
لا يرتبط الأمر هنا بالتحرر من الرؤية البصرية الأفقية لطبيعة الأشياء. 
بل الاندغام الٱسر في الرؤيا / الحلم لتجاوز التعبير التطبيقي المجرد للون.
والاحتكام إلى التعبير اللوني ذي التشخيص المعنوي الزاخر بالممكنات.
وإذ يصبو إلى التجريد، مسافرا نحو التعبير المخاتل، يأخذ معه “المخيلة الساطعة”، بتعبير بابلو بيكاسو.
ومخيلة بوشعيب خلدون منفلتة من كل عقال.تختال في شسوع اللوحة بقوة رمزيتها.وتسفر عن بهائها عبر شطحات صوفية لا تزم بزمام!

3 – التوتر المضيء:

ثمة تكامل جلي يسود الاستخذام اللوني عند بوشعيب.
يبدو فيه – نوعا ما – متأثرا بأعمال فناني”التأثرية”، وزعيمها المثير للجدل اللوني كلود مونيه.
بيد أن تكامله اللوني لا يخضع لمعيار العين الرائية.بل ينبع من معيار الإحساس المتواري الغائر في الظلال.
بوشعيب خلدون، خاصة في تجربته التجريدية، يغري لوحاته بتسلق سلم الألوان الفضية ( الأزرق.الأخضر.الأصفر.الرمادي ).
وتغريه فرشاته بصعود سلم الألوان الذهبية ( الأحمر ومشتقاته وتوابعه ).
هذا المزيج الخلاق، أو التفاعل المبدع بين الدافىء / الذهبي، والبارد / الفضي، يبعث في لوحاته ذاك الذي يسميه بول جوجان:
“التوتر المسفر عن الضوء”.
وكم هي مضيئة فرشاة بوشعيب.
كم هو متوتر لونه.

4 – العتمات البلورية:

بوشعيب خلدون في البورتري، مثل محمود درويش في القصيدة.
إنه لا ينقل ما يتبدى في الظاهر.
بل ما يعتمل في الباطن.
لا يرى الملامح المنظورة للعيان.
بل يبصر الأحاسيس التي تصحو الفرشاة عبر الإمساك بتجلياتها.وإضاءة عتماتها البلورية!
لكأن بوشعيب يعيد إنتاج المقولة الشهيرة لأوجين دولاكروا:
“أنا أرسم ما أحس به.لا أرسم ما أراه”.
البورتري بين يدي هذا الفنان الوهاج، نتاج رؤية بصرية يتقاطع فيها ظل الخارج بضوء الداخل.وتركيب لوني حسي يتأتى من مزيج متعدد الدرجات في سلم الفن.

5 – الإجماع النادر:

نادرة هي قدرة بوشعيب خلدون على إحاطة الٱخرين، من القربين والأبعدين، بسيماء المحبة.
ونادر هو الإجماع عل جعل رجل قيد تقدير يقوى ويتكاثر، كما الإجماع المعقود على النادر الخصال بوشعيب خلدون.
مذ عرفته، هنا في هذه اللوحة المدججة بالأزرق الفضي، راكم بداخلي مزاياه الإنسانية.مثلما راكم في ثقافتي البصرية خباياه الفنية.
رجل يعز إيجاد شبيه له.
فنان طراز وحده.
وكم يستهويني فيه تواضع الإنسان.
وشموخ الفنان.

6 – وثوق الفرشاة:

قد تحمل الفرشاة وترسم.
أما أن يحملك اللون ليرسمك وترسمه في الٱن نفسه، فأنت – إذن – بوشعيب خلدون.
بلى:
بوشعيب خلدون الذي تضع الفرشاة ثقتها الجمالية في يده المعطاءة..!
لذا هو واثق الفرشاة يمشي- في اللون والقماش – ملكا..!!

شاهد أيضاً

” عمرة والعروس الثاني ” .. فيلم سعودي في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي

>> الفيلم عُرِضَ في مهرجان لندن وسط احتفاء نقدي وجماهيري كتب – محمود سعد دياب: …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co