الأحد , 22 أكتوبر 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

جحر الضب .. شراكة أم إستغراق؟

ماهر الشيال – وكالات:

تعود العلاقات الأمريكية السعودية إلى بداية ثلاثينيات القرن الماضي بالتزامن مع بداية التنقيب عن البترول في شبه الجزيرة العربية ، حين قامت إحدى الشركات الأمريكية بحفر أول بئر بترول شرق المملكة .. وبعد العديد من الاكتشافات البترولية أوعز أباطرة النفط الأمريكيين إلى الإدارة الأمريكية ، وكان يرأسها آنذاك الرئيس روزفلت ، بضرورة تأمين منطقة الخليج وحفظ الاستقرار السياسي بها ؛ نظرا لأهميتها بالنسبة للولايات المتحدة ، وكان من نتائج ذلك أن اعلن الرئيس روزفلت في العام 1943 ، أنَّ الدفاع عن المملكة العربية السعودية يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة ، ثم قام بإرسال أول بعثة عسكرية أمريكية إلى السعودية.

لقاء الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز

وكان أول لقاء جمع بين روزفلت والملك عبدالعزيز على ظهر باخرة في قناة السويس (البحيرات المرة) في فبراير عام 1945 ، وهو اللقاء الذي أعتبر بمثابة البداية الحقيقية للعلاقات الأمريكية السعودية.

كانت الولايات المتحدة قد رغبت عام 1943 ، في تأمين وجود قاعدة جوية استراتيجية في الخليج لتربط مسرح عمليات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجنوب آسيا ، ووقع اختيار الهيئة المشتركة لرؤساء الأركان على الظهران الواقعة شرقي السعودية ؛ لتكون المكان المناسب لهذه القاعدة.

وبعد مفاوضات سرية قطعت شوطا قصيرا ؛ منحت السعودية الولايات المتحدة حق تأجير القاعدة لفترة محدودة دون اتفاقية رسمية ، وعقب الاجتماع المذكور أعلنت السعودية الحرب على ألمانيا.

ويمكن وصف الوضع بعد ذلك بين البلدين بأنه شهد “زيادة مضاعفة في الصلات الدبلوماسية والعسكرية والفنية والاقتصادية” فقد تم إنشاء مفوضية أمريكية دائمة في جدة عام 1943 ، وفي 1948 تم رفع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفارة ، وتم إنشاء سفارة للولايات المتحدة هناك.

الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور

وتعتبر الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس الأمريكي أيزنهاور عام 1957 ، هي بداية الشراكة السياسية الحقيقية بين الولايات المتحدة والسعودية ، تلك الشراكة التي بدا فيها كل شيء واضحا ، حيث سعى الطرف الأمريكي لهذه الشراكة عقب تحذيرات بريطانية من تقارب سعودي مصري سوري يسعى لفك ارتباط الأردن ببريطانيا ، كما شملت التحذيرات خطورة تدفق المال السعودي لتمويل صحف ذات توجهات يسارية في سورية والأردن ولبنان ، مما ينذر بانتشار الشيوعية في منطقة الشرق الأوسط ، وتعاظم الدور السوفييتي الذي يعني استحواذ الدب الروسي على ثروات المنطقة مما سيضر بشكل مباشر بالمصالح الغربية!

كانت تلك التحذيرات وغيرها ضمن رسالة أرسلها رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في مطلع العام 1956 ، وقد حرص أيزنهاور على تطمين إيدن ، وكتب خطابا له بالفعل ؛ لكن الخطاب الذي تضمن التأكيد على إدراك الولايات المتحدة الكامل لحجم المشكلة ، ومعرفتها بما يجب اتباعه حيالها – لم يرسل ، وكان السبب هو أدراك الإدارة الأمريكية أن بريطانيا تريد إفساد العلاقات الأمريكية السعودية بتحريضها على اتباع سياسة متشددة تجاه السعودية ، وهو ما بدا واضحا في حديث أحد الدبلوماسيين البريطانيين أثناء مباحثات بريطانية أمريكية في نفس العام قبل زيارة إيدن لواشنطن حين وصف الدبلوماسي البريطاني النظام السعودي بأنه ”فاسد ومتخلف ومعاد للغرب”.. بالطبع فإنَّ المشكلات البريطانية كانت تتعاظم في كل الاتجاهات مع الإيذان بالرحيل عن المنطقة ، ومنها مشكلة واحة البريمي التي أحدثت خلافا حادا بين بريطانيا والسعودية ، وكان من أهم أسباب اندفاع الجانب السعودي نحو الولايات المتحدة ما حدث في العراق عام 1958 ، إذ تمت الإطاحة بالنظام الملكي العراقي ، وإقامة نظام عسكري راديكالي ، وتوترت العلاقات بين البلدين إذ شعر النظام السعودي بالخطورة البالغة لوجود نظام ثوري مدعوم بالسلاح من الاتحاد السوفييتي في العراق ، وكان السعوديون قد بدءوا في استشعار نفس الخطر تجاه النظام الثوري بقيادة عبد الناصر في مصر.

أول آبار النفط شرق المملكة

وكانت الاستراتيجية الأمريكية التي وضعها الرئيس أيزنهاور قد حددت أهمية المملكة العربية بالنسبة للولايات المتحدة في عدة نقاط أهمها تحكُّم المملكة في أكثر من ربع المخزون العالمي المعروف من البترول ، كذلك سيطرة الدولة السعودية جغرافيا على شبه الجزيرة العربية ، وحدود كل من الخليج العربي والبحر الأحمر ، كما أنها تقع إلى الجنوب من منطقة الأمن بالنسبة لإسرائيل ، وبالنسبة للجانب الاقتصادي ، فإن الاستراتيجية رأت أن القرارات المتخذة من جانب قادة المملكة بشأن استخدام عوائد النفط سيكون له أثر كبير في النظام الاقتصادي الغربي ، كما أنَّ اعتبارها – أي المملكة – مركزا للدين الإسلامي يتيح لها لعب أدوار تتعلق بالحفاظ على الاستقرار والأمن في شبه الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي ، ومنطقة البحر الأحمر ، هذا بالإضافة إلى إمكانية جعلها سوقا رائجة للمنتجات الأمريكية بما فيها السلاح.

بالطبع فإن هاجس انتشار الشيوعية واستحواذ الاتحاد السوفييتي على منطقة الشرق الأوسط كان الدافع الأساسي للولايات المتحدة لاتخاذ خطوات استباقية ، منها المسارعة بإرسال القوات وإقامة القواعد العسكرية ، كما تضمنت الخطة الأمريكية تقديم المساعدات المالية ودعم النهوض الاقتصادي – وفق حدود – مع غض الطرف عن الأوضاع الداخلية لبلدان الشرق الأوسط التي خلت من أي نظام ديمقراطي ، وتوزعت أنظمتها الاستبدادية بين الحكم العسكري والعشائري ؛ لذلك كان من الطبيعي أن تتخذ الولايات المتحدة ، السعودية نقطة ارتكاز مهمة لتنفيذ سياساتها في الشرق الاوسط ، بعد أن برهنت الأخيرة على عدائها للاتحاد السوفياتي ورضاها التام عن سيطرة الشركات الأمريكية على الثروة النفطية بها ، كما أظهرت المملكة استعدادها الكامل لتقديم كافة التسهيلات العسكرية للولايات المتحدة.

الملك سعود والرئيس جون كيندي

بحلول العام 1960 ، وصل إلى مقعد الرئاسة الأمريكية جون كيندي ، لكن شيئا ما لم يتغير في طبيعة العلاقات الأمريكية السعودية ، فقد بدا كل شيء مستقرا وغير قابل للتعديل أو التغيير ، وكذلك كان الحال في عهد الرئيس جونسون ، إذ استمرت الأوضاع على ماهي عليه ؛ لكن تسارع الأحداث والمتغيرات الدولية وتحديدا في منطقة الشرق الأوسط أواخر الستينات ، وطوال عقد السبعينات ، كان له تأثير كبير على العديد من تحولات السياسة الأمريكية في منطقة الخليج ، وكانت تلك المتغيرات تعزز من الدور السعودي تارة ، وتعيده إلى الخلف تارة أخرى ، خصوصا بعد إعلان بريطانيا في عام 1968 ، اعتزامها الانسحاب من منطقة الخليج بحلول نهاية عام 1971 ، وكان ذلك الإعلان بمثابة استدعاء للولايات المتحدة لتحتل مقعد القيادة في المنطقة ، وقد أوجب ذلك عليها أن تعيد صياغة سياساتها في الشرق الأوسط بما يتفق مع الوضع الجديد.

في أوائل الستينات شهدت العلاقات الامريكية السعودية توترا ملحوظا ؛ وذلك بسبب المحاولات الأمريكية للتقرب من الرئيس عبد الناصر ، كانت السعودية قد اعتبرت نظام عبد الناصر معاديا لها بعد الدور المصري في اليمن ، واعتبار عبد الناصر نظام آل سعود نظاما رجعيا مواليا للقوى الاستعمارية ، ويشكل أحد أهم أدواتها في المنظفة التي كانت تشهد مدا ثوريا تقدميا اشتراكيا ، ودعما مباشرا من الاتحاد السوفييتي للعديد من الأنظمة الثورية في المنطقة – العراق مثالا – وكان النظام المصري قد حمَّل الملك سعود مسئولية الفشل في دفع الولايات المتحدة لدعم المطالب العربية باعتبار خليج العقبة مياه إقليمية عربية مغلقة أمام سفن العدو الصهيوني ، وكانت مصر قد اعترفت بالجمهورية اليمنية بعد قيامها بيومين فقط في سبتمبر 1962 ، وكان مما فسرته السعودية بالانحياز الأمريكي لنظام عبد الناصر على حساب العلاقات الأمريكية السعودية .. اعتراف الولايات المتحدة بالجمهورية اليمنية في التاسع عشر من نوفمبر من العام 1963 ، قبل اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي بثلاثة أيام.

وبالرغم من أن السعودية قد احتجت بشدة على هذا الاعتراف إلى أن ذلك لم يؤثر واقعيا على التعاون العسكري بين البلدين ، كما أكدت الولايات المتحدة مجددا على التزامها الكامل بالحفاظ على أمن المملكة ، وسيادتها على كامل أراضيها ، والدفاع عنها طوال فترة الحرب في اليمن التي امتدت لأوائل عام1967.

وتعود جذور الخلاف بين الولايات المتحدة والسعودية بسبب عبد الناصر إلى فترة حكم الملك سعود في الفترة من 1953 – 1957 ، وكان سعود يميل إلى الانحياز إلى جانب مصر والخط القومي الذي تبنته ، وجراء ذلك أوقفت الولايات المتحدة العمل بمعاهدة التعاون بين البلدين ، ثم أوقفت المساعدات الأمريكية للمملكة في 1955.

كان الرئيس كينيدي قد أعاد المعونة لمصر وأضاف إليها مساعدة مالية بعد أن أوقفها الرئيس أيزنهاور على خلفية حرب العدوان الثلاثي ، وكان كينيدي لا يخفي إعجابه بالرئيس عبد الناصر ، وكان يتفهم النزعة الاستقلالية لديه ؛ مقتنعا بأن ناصر يبقى الزعيم الأقوى نفوذا في المنطقة ، والقادر على تحريك الجماهير العربية على امتداد تلك المنطقة ، بل كان يرى أنه من المتوجب على أمريكا أن تتعايش مع ناصر ، بدلا من محاولات التآمر عليه لإسقاط نظامه ، ولم تكن تلك الآراء بالطبع لتروق للنظام السعودي .. تغير الأمر تماما بعد اغتيال كينيدي في دالاس بتكساس ، وتولى ليندون جونسون!

الرئيس جونسون والملك فيصل بن عبد العزيز أثناء لقائهما بواشنطن عام1966

شهدت الفترة التي بدأت بتولي الملك فيصل مقاليد الحكم في البلاد عام 1964 ، تقاربا شديدا مع الولايات المتحدة التي استعادت نهجها الأول تجاه المنطقة العربية بتولي الرئيس ليندون جونسون خلفا لكينيدي ، من ناحية كانت السعودية قد عرفت الاستقرار المادي بشكل واضح بعد تزايد عائدات النفط، مما جعلها غير محتاجة للدعم المالي الأمريكي ، وهذا مما جعلها تتطلع للعب دور أكبر وأكثر تأثيرا في المنطقة ، وكان الملك فيصل قد قام ببعض الإصلاحات الإدارية داخل المملكة كانت الولايات المتحدة قد طالبت بها غير مرة ، كما أن تعاظم الاهتمام الأمريكي بالنفط السعودي ، وتقديم المملكة لكافة الضمانات لتدفق النفط للطرف الأمريكي ساهم بشكل كبير في تحسن العلاقات بعد حالة الفتور النسبي التي شهدتها خلال فترة كينيدي القصيرة التي امتدت لأقل من ثلاث سنوات.

حرص الملك فيصل في كل مناسبة على إظهار دعمه الكامل للحق الفلسطيني بشكل دعائي ، وظل على عدائه للقاهرة التي كانت أكبر الداعمين والمؤيدين والمدافعين الفعليين عن الحقوق الفلسطينية ؛ ورغم ذلك فإن التحريض على نظام الرئيس عبد الناصر من الجانب السعودي لم يهدا ، وهناك ما يشير إلى أن خطابا – لم يتم التأكد من صحته – وجهه العاهل السعودي إلى الرئيس الأمريكي يحوي طلبا مباشرا بضرورة التخلص من عبد الناصر قبل انقضاء عقد الستينات؛ لأنه بات مهددا للمصالح الأمريكية في المنطقة ، بأكثر مما يهدد الأنظمة الملكية وعلى رأسها النظام السعودي.

عقب حرب يونيو 1967 ، قدمت الولايات المتحدة ما عرف باسم مشروع روجرز للسلام في الشرق الأوسط ، وكان من ضمن المساعي الأمريكية لدعم تلك المبادرة ، زيارة وزير الخارجية الأمريكي ”وليام روجرز” للسعودية ولقائه بالملك فيصل ، الذي ربط وقتها بين قبول السعودية للمبادرة وقبول الفلسطينيين لها.

شكل إعلان الانسحاب البريطاني من الخليج في العام 1968 ، نقطة مهمة في مسار العلاقات الأمريكية السعودية ، فقد بدت الطريق ممهدة أمام الأمريكان لأخذ زمام المبادرة للسيطرة على المنطقة التي كانت أحلام السيطرة عليها ما زالت تراود الخيال السوفييتي ، خصوصا بعد الاندحار الأمريكي المذل في فيتنام ؛ لذلك اعتمد الرئيس الامريكي نيكسون استراتيجية تقوم على اساس دعم عسكري قوي لإيران والسعودية في نفس الوقت ، ولم يكن الرأي العام الامريكي يقبل بتدخل خارجي جديد لذلك رأت الإدارة الأمريكية ضرورة تأهيل إيران والسعودية عسكريا للقيام بمهام الدفاع عن الخليج مع استعداد الولايات المتحدة لتقديم المساندة البحرية والجوية إذا لزم الأمر.

في ذلك الوقت كانت إيران التي يحكمها نظام الشاه أكثر قربا للولايات المتحدة من السعودية ، وكانت لدى إيران دوافع قوية للعب دور شرطي الخليج ، وقد أراد نظام الشاه أن يتقاسم ذلك الدور مع المملكة التي لم تبد ارتياحا إزاء ذلك ، فكان أن احتلت إيران الجزر العربية الثلاثة (طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى) مما أثار غضب السعودية، إلا ان الولايات المتحدة تفهمت الدوافع الإيرانية، وقد شرح وجهة النظر الأمريكية وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جوزيف سيسكو في أغسطس 1972 أما الكونجرس ، وحدد اسباب الدعم الأمريكي في نقاط أهمها دعم التطور السياسي في المنطقة ، وتشجيع الدول المقربة على التعاون الإقليمي فيما بينها ، والاهتمام بتحديث الجيشين الإيراني والسعودي ، مع تكثيف الوجود الدبلوماسي الأمريكي في المنطقة.

الرئيس نيكسون يستقبل الملك فيصل في واشنطن عام1971

في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973 قامت المملكة العربية السعودية بتوجيه دول أوبك إلى ضرورة خفض الإنتاج ، وبالتالي تقليص كميات النفط العربي المصدرة لأمريكا والدول الغربية الداعمة للكيان الصهيوني ، وكان الملك السعودي قد عقد اجتماع لسفراء المملكة في نفس العام صرح فيه أن الانحياز الأمريكي لإسرائيل قد بات يهدد المصالح المشتركة بين البلدين ، وأن على الإدارة الأمريكية الحالية أن تدرك أنها تسير في الطريق الخطأ حين لا تكترث لصداقتها مع العرب ، وتتحالف بهذا الشكل مع إسرائيل .. ولم يستمر الأمر على هذا النحو سوى أربعة أشهر إذ تم إلغاء قرار الحظر (التخفيض) في مارس 1974 ، وأعقب ذلك زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون للرياض في نفس العام ، وكان الملك فيصل يؤكد دوما على الدور الأهم للولايات المتحدة في المساعدة على حل مشكلة الصراع العربي الصهيوني ، وفي القلب منه القضية الفلسطينية.

الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز الذي اغتال الملك فيصل في مارس1975

وفي الخامس والعشرين من مارس عام 1975 قام الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز باغتيال عمه الملك فيصل ، وقد ذكرت العديد من الأسباب في هذا الصدد منها أن الملك فيصل قد أمر بقتل أخيه الأكبر الأمير خالد بن مساعد الذي قاد المظاهرات والإضرابات في أواسط الستينات ، وحاول اقتحام التليفزيون السعودي بقوة السلاح ، كما أكدت بعض المصادر أن الاغتيال كان بتحريض من آل رشيد ، أهل والدة القاتل الذين نازعوا آل سعود السيطرة على نجد ، كما ذكر أن التحريض كان من أبناء الملك سعود الذي خلعه الملك فيصل ، وهناك من أشار إلى وجود أصابع لجهات أجنبية في عملية الاغتيال .. باغتيال الملك فيصل انقضت فترة ثرية من العلاقات الأمريكية السعودية حفلت بكثير من التناقضات ؛ لتبدأ بعد ذلك فترة جديدة بعد تولي الملك الجديد خالد بن عبد العزيز.

في منتصف السبعينات تعددت الأحداث الهامة وتلاحقت ، واجهت الولايات المتحدة النتائج الكارثية لحربها في فيتنام ، وخرجت من الحرب بحمولة فاقت الخمسين ألف قتيل ، وفي الداخل كانت أصداء فضيحة “ووترجيت” مازالت تتردد بشكل واسع ، وتلقي بظلالها السوداء على عدد من المؤسسات الأمريكية ، على رأسها المخابرات المركزية .. في ذلك الوقت استطاعت المملكة العربية السعودية استيعاب نتائج حدث بثقل اغتيال ملكها فيصل بن عبد العزيز على يد ابن أخيه ، وتم انتقال الحكم إلى الملك خالد بن عبد العزيز الذي كان نائبا لرئيس الوزراء ووليا للعهد .. كانت إيران الشاه تتطلع للعب أدوار لحساب الولايات المتحدة في المنطقة ؛ ترسيخا للحكم الاستبدادي ؛ وإبقاء على الدعم الامريكي للشاه لآخر مدى ، في حين كانت السعودية تبدى تململا بين الحين والآخر لا يحول دون التعاون ، وغض الطرف عن الممارسات الإيرانية التي باتت تهدد دول الخليج العربي .. وحدث أن رأت الإدارة الأمريكية برئاسة جيرالد فورد أن التدخلات المباشرة لم تعد مأمونة ، وأن مواجهة المد السوفييتي لابد أن يأتي عبر وسطاء ؛ فأوعزت إلى فرنسا أن تقيم تحالفا استخباراتيا من عدد من الدول التي تدور في الفلك الأمريكي ، وبالقطع كان على رأس هذه الدول إيران الشاه والسعودية والمغرب ومصر برئاسة السادات الراغب بكل قوة في البرهنة على نفض التجربة الناصرية بالكلية عن كاهله ، وبالقطع فإن استخبارات العدو الصهيوني لم تكن بعيدة عن ذلك ترقب وتستفيد إلى أقصى درجة .. عُرف هذا التجمع الاستخباراتي بـ ”نادي السفاري” واتخذ من القاهرة مقرا له.

نفذ النادي الذي مُوِّل من قِبل السعودية وإيران ، ودُعِم عسكريا من جانب مصر والمغرب ، وتولت فرنسا الإشراف والتنسيق بما يتيح لها تحقيق النجاح لمشروعها الفرانكفوني في المقام الأول ، وتنفيذ الأجندة الأمريكية ثانيا .. ساهم النادي في إخماد ثورة ظفار في عُمان عام 1976 ، كما قدم دعما لنظام موبوتو سيسي سيكو دكتاتور زائيرعام 1977 ، ولحسين حبري في تشاد 1979 ، كما قدم النادي الدعم لمعارضي نظام هيلامريام الشيوعي في أثيوبيا استمر إلى بداية الثمانينات ، وقد استمرت أعمال النادي حتى عام 1983 ، حققت أمريكا من خلاله العديد من النتائج الجيدة ، كما كان التحالف أحد أهم ترتيبات الصلح المنفرد بين مصر والعدو الصهيوني عام 1978 ، والذي عُرف باتفاقية كامب ديفيد.

مناحم بيجن وجيمي كارتر والسادات في كامب ديفيد 1978

في البداية أظهر النظام السعودي حماسا لمباحثات كامب ديفيد ؛ لكنها حرص بعد ذلك على إبراز رفضه لما آلت إليه المفاوضات من نتائج ؛ ففي بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء السعودي ؛ جاء ما يلي ” أن حكومة المملكة العربية السعودية ، مع تقديرها للجهود التي بذلها الرئيس كارتر ، ترى أن ما تم التوصل إليه في قمة كامب ديفيد لا يعتبر صيغة نهائية مقبولة للسلام“.

كانت الشكوك تساور الجانب السعودي بشأن الخطط الجديدة في المنطقة بعد كامب ديفيد ، خاصة أن أمريكا تراجعت بشكل واضح عن دعم الشاه بعد تطور الوضع في إيران ، كما أنها انتقدت بشدة رفع أسعار النفط ؛ حتى أنها لوحت بعدم استبعاد الحل العسكري لضمان استمرار ضخ النفط .. لم تتخذ السعودية موقفا إيجابيا معلنا من كامب ديفيد برغم تطابق رؤيتها مع رؤية الرئيس السادات الذي كان يؤكد أن 90% من أوراق اللعبة بيد الولايات المتحدة ؛ لذلك لا يعتبر هذا الموقف أصيلا أو معبرا عن الواقع بقدر ما كان استجابة للضغوط العربية والفلسطينية بشكل خاص التي رأت أن تسوية على هذا النحو هي بمثابة نحر بدم بارد لقضية فلسطين .. ثم كانت زيارة وزير الخارجية الأمريكي “سايروس فانس” إلى الرياض التي تزامنت مع حملة شنها السناتور اليهودي”فرانك تشرس” رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس على السعودية المتلكئة في دعم الاتفاق المصري الصهيوني .. لكن كل ذلك لا يبدو ذا قيمة إذا ما قورن بالدور الذي لعبته شركات النفط الأمريكية لصالح السعودية إذ مارست ضغوطا كبيرة من أجل ألا تتضرر مصالحها بسبب جموح السياسية الأمريكية بشأن قضية الشرق الأوسط.

الإمام الخميني في مطار طهران عائدا من فرنسا بعد سقوط نظام الشاه فبراير 1979

قبل أن ينقضي عقد السبعينات المضطرب بالأحداث الكبيرة يسقط نظام الشاه في إيران سقوطا مدويا ، بعد أن خذلته الولايات المتحدة بشكل مهين ؛ حتى أنها رفضت استقباله ، ولم يجد سوى السادات يستضيفه .. ولا شك أن نجاح الثورة في إيران قد أجبر الإدارة الأمريكية على مراجعة الموقف من جديد سيما بعد حدوث أزمة الرهائن التي استمرت نحو 14 شهرا ، وانتهت بتوقيع اتفاق بين البلدين في يناير 1981 ، وقد خرج الجميع – وعلى رأسهم النظام السعودي – من هذا الموقف المتأزم بدرس مفاده أن أمريكا على استعداد تام للتخلص من أخلص حلفائها في أقرب حاوية نفايات إذا دعت الضرورة لذلك.

وقبيل انقضاء العام بأيام اجتاح الجيش الأربعون التابع للاتحاد السوفييتي أفغانستان لدعم النظام ضد المعارضة المسلحة التي دعمتها الولايات المتحدة قبل ذلك بنحو ستة أشهر ، واستطاعت الولايات المتحدة أن تدفع بالسعودية لدعم الجماعات المعارضة بالمال والسلاح والرجال ، بدعوى نصرة الإسلام ضد الشيوعيين الملاحدة ، واستخدم نظام السادات في مصر لنفس الغرض ، وبلغت الدعاية ضد الاتحاد السوفييتي مداها ، بينما كانت دول مثل مصر وباكستان والسعودية لا تتورع عن دفع مواطنيها دفعا للجهاد في أفغانستان .. ثم انقلب السحر على الساحر.

طائرة الإنذار المبكر الأمريكية أواكس ضمن القوات الجوية الملكية السعودية

رأى الطرفان – الامريكي والسعودي – نهاية أنه ليس ثمة خلاف حقيقي بينهما خصوصا بعد أن بادر الطرف الأمريكي بإرسال وزير الدفاع “هارولد براون” إلى الرياض ، ثم دعا الرئيس كارتر ولي العهد الأمير فهد لزيارة واشنطن في العام نفسه ، لكن فهدا لم يذهب إلى واشنطن ، وكان التأجيل والإرجاء لحين إنهاء بعض الخلافات التي تعلقت بصفقات السلاح خاصة صفقة الطائرات( إف – 15) وكان حجم ما دفعته المملكة للولايات المتحدة ثمنا لأسلحة حصلت عليها بلغ 34 مليار دولار في الفترة من(1973 -1980).. ثم كان أن أسست السعودية مجلس التعاون الخليجي في 25مايو 1981 ، بدعم ومباركة أمريكية ؛ ليكون في مواجهة إيران الثورة ، وفي الشهر التالي قصف طيران العدو الصهيوني مفاعل تموز العراقي بعد أن استخدم أجواء المملكة العربية ذهابا وإيابا وكذلك الأردن .. وبالقطع فإن هذا المرور الآمن لم يكن بخافٍ على الدفاعات الجوية السعودية التي كانت قد زودت بأربع طائرات أمريكية للإنذار المبكر المعروفة باسم (أواكس) قبل ذلك بنحو ثمانية أشهر!

ويستمر الإجرام الصهيوني بمباركة أمريكية ، وصمت عربي مريب ؛ فتقع مذبحة صبرا وشاتيلا في أكتوبر من نفس العام ؛ ويتم تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل من العام التالي ، وفي أكتوبر من نفس العام تدفع الولايات المتحدة ثمنا باهظا لدعمها غير المحدود للكيان الصهيوني ؛ فتفقد 241 من جنودها في تفجير شاحنة في مقر قواتها بالعاصمة اللبنانية .. وكان التصعيد قد بلغ أشده بين النظام السعودي ونظام الثورة الإسلامية في إيران ؛ وشهد موسم الحج في آخر يوليو عام 1987 ، جريمة بشعة حين قتلت قوات الأمن السعودية أكثر من 400 حاج إيراني.

الاجتياح العراقي للكويت أغسطس 1990

ونتيجة للإحساس المتزايد بالخوف من امتداد الحرب الإيرانية العراقية لجأت السعودية إلى تنويع مصادر التسليح ؛ فاتجهت إلى أوربا وعقدت عدة صفقات مع فرنسا وألمانيا (الغربية) ثم بريطانيا عام 1985 ، فيما عرف بصفقة المليارات ، ثم جاء ربيع 1988 ، لتوقع السعودية مع الصين صفقة الصواريخ والتي سببت ضيقا شديدا للمسؤولين الأمريكيين ؛ خصوصا أنها تمت بشكل سري ، ولم تكن هناك علاقات بين السعودية والصين قبل ذلك ، وللحقيقة فإن تلك الصواريخ فشلت في التصدي للصواريخ سكود التي أطلقتها العراق في حرب الخليج الثانية .. بعد أن قرر الرئيس العراقي صدام حسين صباح الثاني من أغسطس 1990 ، اجتياح الكويت ، واحتلالها بالكامل ؛ بل واعتبارها إحدى محافظات الجمهورية العراقية ، بعد خلافات بين البلدين حول آبار النفط الحدودية ، ومزاعم عراقية بعلاقات سرية ودعم كويتي لإيران خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية التي كانت قد وضعت أوزارها قبل الاجتياح بعامين .. لتدخل المنطقة العربية بأسرها مرحلة جديدة من العلاقات المتشابكة والحروب والدمار كانت منطقة الخليج مسرحا لها.

بين عشية وضحاها ينقلب الحليف إلى عدو تخشى غوائله ، فبرغم الدعم الذي بلغ أربعين مليارا والذي قدم من السعودية والكويت لنظام الرئيس العراقي صدام حسين ، طوال حرب الثماني سنوات ضد إيران – إلا أن ذلك لم يحل دون اجتياح الجيش العراقي للكويت ، ليس ذلك فحسب فالقوات العراقية التي احتلت الكويت في ساعات تضاعفت خلال أربعة أيام لتصبح ثماني فرق كاملة ، وبدا أن الأمر أكبر من احتلال الكويت ، بدا واضحا أن شرق المملكة الغني بالنفط معرض هو الآخر لخطر الاجتياح.

في ذلك الوقت الحرج قدم مدير المخابرات المركزية الأمريكية ”وليام ويستر” إلى الرئيس الأمريكي ”جورج بوش” ولوزير الدفاع آنذاك ”ريتشارد تشيني” وللقائد العام للقيادة المركزية الأمريكية ”نورمان شوارزكوف” تقريرا يفيد أن أجهزة المراقبة قد أظهرت أن المصفحات العراقية قد اجتازت الحدود السعودية ، ونقل محتوى التقرير على الفور إلى النظام السعودي ، مع تكهنات تشير إلى أن العراق ربما يقدم على عملية عسكرية واسعة تهدف إلى تقطيع أوصال المملكة باحتلال الإقليم الشرقي ، وإعادة إقليم عسير إلى اليمن ، وإعادة السيطرة على المدن المقدسة للأسرة الهاشمية الحاكمة في الأردن!

وبحسب الكاتب الأمريكي “دور جولد” فإن الوضع العسكري السعودي لم يكن مطمئنا على الإطلاق برغم أن المملكة أنفقت مئتي مليار دولار على شراء الأسلحة منذ عام 1970 ، وحتى حدوث الاجتياح .. وكانت المملكة قد استقدمت عشرة آلاف جندي باكستاني ، استقروا على الحدود اليمنية وقاموا بعدد من المناوشات ؛ لكن ظروفا حتمت عودتهم إلى بلادهم عام 1989 ، كما أن عمليات الصيانة للعربات المصفحة ، لم تكن على ما يرام ، أما عن القوات الجوية السعودية ، فقد قدم وزير الدفاع السعودي تقريرا إلى الملك فهد خَلُصَ إلى أن الدفاع عن المملكة جوا هو أمر عديم الجدوى.

الملك فهد يستقبل الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب في جدة عشية الاجتياح العراقي للكويت

وكان أن عرض الرئيس الأمريكي على الملك فهد إرسال قوات أمريكية للدفاع عن المملكة عند الطلب ، مع الالتزام بعدم البقاء أو إقامة قواعد دائمة ، وسرعة المغادرة إلى الديار متى طُلب ذلك.

لم يستطع الملك فهد وولي عهده الأمير عبد الله – الملك عبد الله فيما بعد – وكبار الأمراء البت في هذا العرض ، برغم أن الظرف كان ضاغطا ، وكان المخرج هو اللجوء للمؤسسة الدينية ؛ فتم دعوة 350 من رجال الدين إلى مكة ، على رأسهم الشيخ عبد العزيز بن باز الذي ترك له الرأي النهائي الذي جاء على النحو التالي ”رغم أن الأمريكيين هم في الرأي الديني المحافظ مساوون للكفار ما داموا ليسوا مسلمين ، فإنهم يستحقون الدعم لأنهم هنا للدفاع عن الإسلام” كما افتى ابن باز بأن الحرب ضد العراق تعتبر جهادا!

بهذه الفتوى تدفقت القوات الأمريكية إلى المملكة حتى بلغ عددها نصف مليون جنديا ، وكأنما انشقت الصحراء العربية عن شعب من الأمريكيين في وقت قياسي.

ومن الطريف أنه بعد مضي أشهر قليلة من ذلك استدعت القيادة العسكرية السعودية “نورمان شورازكوف” قائد القوات الأمريكية في السعودية وأبلغته باستيائها من ارتداء الجنود الأمريكيين لقمصان تحمل صورة دبابة في الصحراء ، ولكن “شوارزكوف” أبلغ القيادة العسكرية السعودية بأن الأراضي السعودية قد امتلأت بالدبابات ، كما أنها في الأصل مليئة بالصحاري ، وعندئذ قالت القيادة العسكرية السعودية بأنها لا ترغب في إعلان ذلك لشعبها.

القوات الأمريكية أثناء دخولها الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي

انتصر التحالف الذي دُعم عربيا من مصر وسوريا ودول أخرى ، ولكن ذلك لم يحل دون عدد من المتغيرات داخل المجتمع السعودي بسبب الوجود الأمريكي ، إذ خرقت نحو أربعين امرأة سعودية القانون ، وقمن بقيادة السيارات بأنفسهن ، كما تقدم عدد من أصحاب التوجهات الليبرالية بمذكرة تطالب بعدد من الإصلاحات السياسية ، مما جعل الإسلاميين يشعرون أنهم تقهقروا خطوات ، وأن الوجود الأمريكي بالمملكة سيفتح أبوابا للشر لا حصر لها.

بانتهاء حرب الخليج عام 1991 ، غادرت معظم القوات الامريكية المملكة ؛ لكن شيئا ما كان قد تغير ، وبدأت آثاره في الظهور ، إذ شهد شهر مايو من نفس العام تقدم نحو أربعة آلاف عالم دين وأستاذ جامعي أصولي بخطاب مطالب موقع يتضمن المسارعة بإلغاء القوانين السعودية المتعارضة مع الشريعة ، وبإعادة توزيع الثروة ، والتزام سياسات خارجية لا تعتمد على التحالف وتتبنى القضايا الإسلامية.

وبالرغم من أن ابن باز وابن عثيمين لم يوقعا على الخطاب ؛ فإن رسالة وصلت إلى الملك تفيد مباركتهما لما جاء فيه ، وفي العام التالي قدم 109 من علماء الدين إلى الملك مذكرة عرفت بمذكرة النصيحة تطالب بإعادة الاعتبار لعلماء الدين الذين أضحى دورهم هامشيا ، كما أكدت المذكرة على ضرورة العودة إلى التقاسم العادل للسلطة بين القيادتين الدينية والسياسية.

كما تصاعد بين أوساط المتدينين خطاب الكراهية للولايات المتحدة ، وانتشرت بينهم عبارات الشيخ الحوالي القائل بأنه ”إذا كان العراق هو عدو الساعة ، فإن أمريكا والغرب هم الأعداء حتى قيام الساعة“.

ومع تجدد نشر نحو عشرين ألف جندي عراقي بالقرب من الحدود الكويتية في 1994 ، مع تأهب خمسين ألفا من قوات الاحتياط  في البصرة – قامت القوات الامريكية بنشر حوالي تسعين ألف جندي من المارينز ، وسبعين ألفا من القوات الإضافية في الكويت ومنطقة الخليج ، إلا أن النظام السعودي لم يبد متحمسا لهذا الإجراء ، حتى بعد تقدمت إدارة “كلينتون” بطلب استضافة لواء مدرع أمريكي على الأراضي السعودية ، وقد تردد السعوديون كثيرا في القبول إذ كان الخطاب العدائي للولايات المتحدة في الداخل قد بلغ ذروته بعد عودة قادة الجهاد من أفغانستان ، وعلى رأسهم أسامة بن لادن الذي كان قد أرسل رجاله بالفعل قبل نحو عام لمواجهة القوات الأمريكية في الصومال.

آثار الدمار الناجمة عن تفجير السفارة الأمريكية بنيروبي أغسطس 1998

وفي الثالث عشر من نوفمبر 1995 ، يقتل خمسة أمريكيين في تفجير سيارة أمام مبنى الحرس الوطني بالرياض ، ويتبين بعد ذلك أن من قاموا بالتفجير ممن حاربوا في أفغانستان.

وفي الثالث والعشرين من فبراير 1998 ، أعلن أسامة بن لادن عبر جريدة القدس العربي أن تحركه ضد الولايات المتحدة جاء بسبب احتلالها لبلاد الحرمين لنحو سبع سنوات ، ولما أوقعته من مآس بحق الشعب العراقي ، ولدعمها المستمر للكيان الصهيوني الغاصب للقدس ولأرض فلسطين العربية.

ثم حدث تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كل من دار السلام (تنزانيا) ونيروبي (كينيا) في وقت واحد في السابع من أغسطس 1998 تزامنا مع الذكرى السنوية الثامنة لقدوم القوات الأمريكية للسعودية ، كما تعرضت المدمرة الأمريكية كول لهجوم في ميناء عدن في أكتوبر عام 2000

ومع تنامي النزعة المعادية للغرب داخل المجتمع السعودي بدا النظام عاجزا عن مواجهة هذا المد الذي كان يتلقى الدعم المبطن من القيادة الدينية في المملكة ، حتى أنها لم تخفي غضبها بسبب اعتقال الشيخ سفر الحوالي ، والشيخ سلمان العودة ، اللذين عملا على تأجيج روح العداء للولايات المتحدة والغرب عبر الخطب المسجلة على أشرطة الكاسيت والكتب أيضا .. وفي المقابل فإن الإدارة الأمريكية بدت أكثر اهتماما بتحقيق الأرباح والسيطرة على آبار النفط من أي شيء آخر.

هجمات 11 سبتمبر

وفي يوم الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر 2001 نفذ 19 شخصا يرجح أنهم على صلة بـتنظيم القاعدة هجمات باستعمال طائرات مدنية مختطفة تم توجيهها لتصطدم بأهداف محددة ، وتمت أولى الهجمات حوالي الساعة التاسعة إلا الربع صباحا بتوقيت نيويورك ، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي ، وبعدها بربع ساعة  اصطدمت طائرة أخرى بمبنى البرج الجنوبي ، وبعد ما يزيد على نصف الساعة اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية بينما تحطمت الطائرة الرابعة قبل بلوغها الهدف ، ثم كشفت التحقيقات أن خمسة عشر شخصا من المنفذين يحملون الجنسية السعودية ، وكان ذلك وغيره من الملابسات داعيا إلى تطور آخر خطير في العلاقات الأمريكية السعودية.

أحدثت وقائع يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، هزة عنيفة في العلاقات الأمريكية السعودية ، خاصة بعدما تبين أن خمسة عشر ممن قاموا بالهجمات من أصل تسعة عشر ، ممن يحملون جنسية المملكة العربية ، وتعالت الأصوات داخل الولايات المتحدة ، وفي الغرب بشكل عام إلى ضرورة إعادة النظر في الوضع في الشرق الأوسط ؛ خاصة فيما يتعلق بالأنظمة القديمة التي حافظ الغرب على تحالفات استراتيجية معها دامت لعقود.

بدا الصمت الأمريكي تجاه السعودية مقلقا لفترة ، ويمكن القول أن الإدارة الأمريكية حرصت على ملء تلك المساحة من الصمت بصخب الهجوم الإعلامي على المملكة من قبل عدد من الكتاب والصحفيين من ذوي الاتجاهات اليمينية المتطرفة الذين اعتمدوا خطابا تحريضيا يدعو إلى اعتبار السعودية عدوا للولايات المتحدة ، وأن يكون ذلك أساسا لأي حسابات جديدة في الشرق الأوسط.

كان الرضى الأمريكي عن ذلك الهجوم باديا ، وكان الغرض منه هو ممارسة أكبر قدر من الضغوط المسبقة قبل أن تشرع إدارة الرئيس جورج بوش الابن في عرض مطالبها الجديدة على السعودية وفق المستجدات والتداعيات المتعلقة بالحادي عشر من سبتمبر .. لقد كانت عملية ابتزاز واضحة تديرها الإدارة الأمريكية في صمت.

واتساقا مع هذا الخط خرجت دعوات تحرض الإدارة الأمريكية على ضرورة اعتماد بدائل أخرى للحصول على إمدادات النفط ؛ والتنازل عن مبدأ النفط مقابل الأمن والذي اعتبر مرتكز أساسيا للعلاقات بين البلدين منذ لقاء الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز المعروف بقمة كوينسي عام 1945.

في المقابل كان قرار ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز بفتح حقول النفط مجددا أمام الاستثمارات الأجنبية بعد ثلاثة عقود من إغلاقها بغرض تطوير صناعة استخراج النفط وتحسين مكانة بلاده النفطية على الساحة الدولية عبر تأمين مزيد من القدرة الاحتياطية من جهة ، وربط مصالح الشركات النفطية الأميركية باستقرار المملكة من جهة أخرى.

الحرب الأمريكية على أفغانستان 2002

وبالرغم من أن السعودية دعمت قرار مجلس الأمن الذي اعتبر الحرب الأمريكية على أفغانستان بمثابة الدفاع عن النفس ؛ إلا أن العلاقات عادت للتوتر مجددا ، بعدما رفض المسؤولون السعوديون طلبا أمريكيا باستخدام أراضي المملكة في الهجوم على معاقل طالبان ، وتنظيم القاعدة ؛ وكان الوضع الداخلي ينذر بعواقب وخيمة في حال عودة القوات الأمريكية لاستخدام أراضي البلاد في تدمير بلد إسلامي آخر ، عانى من ويلات الحروب لنحو ثلاثة عقود.

وقد تكرر الأمر مع بداية الحرب الأمريكية على العراق ، ورفضت المملكة الطلبات الأمريكية مجددا ، لكنها سمحت باستخدام أجوائها في الهجمات ، كما لم تستطع التقاعس عن تقديم الدعم للقوات الامريكية على عدة مستويات أخرى.

وفي محاولة للعودة إلى الأحضان الأمريكية الدافئة رأى آل سعود أنه ربما يكون من المجدي أن يطرحوا مبادرة جديدة تهدف إلى حلحلة الوضع فيما يخص الصراع العربي الصهيوني ، فأمريكا برغم انشغالها الشديد في العراق إلا أن التزامها بالمحافظة على مصالح الكيان الصهيوني ، خاصة فيما يتعلق باشتراطات الأمن ، وتطبيع العلاقات بين الكيان والدول العربية – من الأمور التي لا يمكن تجاهلها.

رأت المملكة أن مؤتمر القمة العربية المنعقد في بيروت يصلح لانطلاق تلك المبادرة التي تضمنت عرضا سعوديا بالتطبيع مع الكيان إذا ما انسحب من كامل الأراضي التي احتلها في حرب يونيو عام 1967 ، لكن الولايات المتحدة لم تبد كبير اهتمام بشأن المبادرة السعودية ، وربما يرجع ذلك لانغماسها في الحرب على العراق ، وتطلعها إلى توسيع جبهة المواجهة مع الإرهاب ، كما أنها لم تلمس لدي مسؤولي الكيان الصهيوني حماسا كبيرا بشأنها ؛ ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية لم تكن واثقة تماما في نوايا السعوديين ، الذي ما لبثوا أن استبدلوا المفردات؛ ليصبح التطبيع – وهو اللفظ الذي يفضله الكيان ، ومن ثم أمريكا – علاقات طبيعية.

الاحتلال الأمريكي للعراق 2003

كانت الاستفادة الإيرانية من الإطاحة بنظام صدام حسين ، ونظام طالبان في أفغانستان ، من الأمور التي أثرت بشكل سلبي على العلاقات الأمريكية السعودية ؛ إذ رأى السعوديون أن أمريكا تهاونت كثيرا في وقف تمدد النفوذ الإيراني داخل العراق ؛ حتى بدت كأنها تحاول خطب الود الإيراني بطريقة أو بأخرى ، وكانت إيران قد استفادت جيدا خلال عقد التسعينات من ارتفاع أسعار النفط ، في تطوير جيشها ، وتحديث أسلحته ، وتطوير قدراته القتالية ، كما استطاعت التغلب على المشكلات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات ، وبالقطع فإن إيران كانت المستفيد الأكبر من تلك المتغيرات الكبرى في المنطقة ، خاصة مع تزايد الضغوط على إدارة الرئيس بوش للانسحاب من العراق ، بعد أن تجاوزت التكلفة الحد الذي كان مقدرا لها ، وقد اندفعت المملكة في حالة السخط تلك حتى هاجم الملك عبد الله السياسات الأمريكية في العراق في مؤتمر القمة العربية المنعقد في الرياض في 2007 ، ووصفها بأنها سياسات أدت إلى أسوأ النتائج ليس على العراق فحسب ؛ بل على المنطقة كلها.

الملك سلمان مع الرئيس أوباما في واشنطن سبتمبر 2015

ويمكن القول أن الولايات المتحدة بانقضاء الولاية الثانية للرئيس جورج بوش الابن ، كانت في أمس الحاجة إلى التقاط الأنفاس بعد مواجهات عسكرية عديدة دامت لسنوات ، خلَّفت إلى جانب عوامل أخرى ؛ أزمة اقتصادية عميقة ؛ لذلك رأت إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما أن من الأولويات الضرورية تقليص الوجود العسكري للولايات المتحدة خارج أراضيها ؛ وقفا لحالة الاستنزاف المزعومة للموارد الامريكية التي استمرت لسنوات.. ثم أعلن أوباما أن الانسحاب الأمريكي من العراق سيتم في عام 2011 ، كما أن الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان من المقرر أن ينتهي في 2014.. وكان ذلك بمثابة إعلان عن انحسار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ، مما يؤكد أن المؤسسات الأمريكية كانت بصدد الانتهاء من رؤيتها الاستراتيجية الجديدة بشأن المنطقة ، وما حدث من تغيرات على الأرض.

في أواخر عام 2008 ، فشلت المحاولة الانقلابية التي قام بها الأمير بندر بن سلطان للإطاحة بالملك عبد الله ، وكانت الفايننشال تايمز قد نشرت الخبر في يوليو 2009 ، والغريب أن المخابرات الروسية هي التي كشفت المحاولة ، ولم تكشف عنها المخابرات الأمريكية ولا مكتب التحقيقات الفيدرالية ، بالرغم من تواجدهما في ستة وثلاثين مقرا في أنحاء المملكة.. ويقطع كثير من أمراء المملكة الكبار ، بأن بندر لم يكن ليشرع في محاولته دون تفاهمات مع الأمريكيين.

وبالرغم من أن ما سمي بثورات الربيع العربي التي بدأت أحداثها في تونس ديسمبر2010 ، ثم في مصر في يناير من العام التالي – قد عمقت الخلافات بين البلدين ، إذ رأت المملكة دعم زين العابدين وإيوائه ، كذلك لم تتردد في مساندة مبارك ، والعمل على بقاء نظام حكمه ، بينما تحفظت الولايات المتحدة ، والتزمت مبدأ التخلي عن الحلفاء المنقضية مهامهم ، كما فعلت مع شاه إيران ، كما أبدت الإدارة الأمريكية تفهما واضحا في إمكانية التواصل مع ما اعتبرته قوى إسلامية صاعدة في المنطقة ، إلا أن الخلاف قد تعمق بشكل كبير بخصوص الوضع السوري الذي رأت فيه المملكة فرصة سانحة للتخلص من نظام الأسد حليف الأهم لإيران ، في محاولة يائسة لكسب جولة في صراعها المستمر مع الجمهورية الإسلامية ، إلا أن المملكة رات أن الموقف الأمريكي لم يكن على المستولى المطلوب خاصة فيما تعلق برد الفعل الأمريكي بشأن الاسلحة الكيماوية السورية ، وقبول الطرف الأمريكي ، بإنهاء الأمر بمعرفة روسيا.

ثم عاد المرجل الامريكي للغليان بشأن مسؤولية المملكة العربية السعودية عن كثير من العمليات الإرهابية ، وفي مقدمتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، وفي هذا الإطار تم تقديم مشروع بقانون للكونغرس يضيق المفهوم القانوني للحصانة السياسية عبر تعديل قانوني حصانات السيادة الأجنبية وقانون مكافحة الإرهاب ، وقد تم تمرير المشروع من قبل مجلس الشيوخ بلا أي المعارضة في مايو 2016 ، وفي سبتمبر 2016 مرر كذلك بالإجماع من مجلس النواب.

القانون لا يذكر هجمات الحادي عشر من سبتمبر أو المملكة العربية السعودية ، إلا أنه سيسمح ضمنيا بإقامة دعاوى قضائية ضد المملكة من قبل الضحايا وأسرهم.

شاهد أيضاً

خبراء بقمة “صوت مصر”: الثقافة والقوة الناعمة عامل قوى فى تحسين صورة مصر خارجيا

كتب – محمود سعد دياب: ناقش خبراء تأثير الثقافة والقوة الناعمة على تحسين الصورة الذهنية، …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co