الإثنين , 20 أغسطس 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

جورج جميل يكتب: ما بين بغداد وكردستان.. رؤية لوطن عائد ومستقبل مشترك

حقيقة لا تخفى على أحد، أن الوضع السياسي الراهن فى العراق يثير التعجب، فالعراق الذي كتب عليه الشقاء منذ قرر صدام حسين الدخول فى حرب استمرت ثمانية أعوام مع إيران، خرج بعدها إلى غزو الكويت وشق الصف العربي، حتى ضربت القوى العالمية الحصار علي بلاده لتسقط فى أبريل 2003 ، لم يشهد بعدها استقرارًا حقيقيًا يمكن أن تبني عليه رؤية للمستقبل، اللهم سوى محاولات للبقاء السياسي عبر تفاهمات بين القوى الحاضرة فى المشهد على مختلف مآربها وتوجهاتها، والتى أنجزت استحقاقا دستوريا هامًا قبل سنوات، و بنت على أساسه العملية السياسية المتكررة مشاهدها.

ربما كانت آخر هذه المشاهد فى العملية السياسية، بعد زوال خطر داعش رغم بقاء جيوب أفكارها حاضرة بالعراق والوطن العربي كله، إنجاز الانتخابات التشريعية التى جرت فى 12 مايو الماضي وكانت خطوة للأمام، ونتج عنها حصص متقاربة من المقاعد النيابية للقوى والتحالفات الحزبية والمذهبية والعرقية، لتبدأ التشاورات حول حكومة توافقية جديدة تحترم دستورًا يقر مبدأ المساواة والعدالة بين كافة أبناء وأقاليم الوطن الواحد، وكانت البدايات مبشرة بإعلان كافة القوى بدء الحوار حول تشكيل الحكومة، حتى جاء قرار البرلمان العراقي الأخير قبل أيام، بشأن التصويت الخاص بإقليم كردستان.

حقيقة، أقرأ القرار من واقع مقارنة بديهية بين تصويت إلكتروني متقدم يحدث فى العراق الشقيق، والتصويت الورقي الذي لا يزال يسيطر على المشهد الانتخابي فى بلدان عربية أخرى، وتتكرر الشكوك حول نتائجه صراحة، وأسأل نفسي دون أن أصادر على إرادة شعب أو رؤية برلمان فلكل بلد شأنه الخاص: هل يمكن أن نشهد فى بلادنا العربية أنظمة تصويت إلكتروني متقدمة تتيح لنا ثقة كبيرة بالنتائج المعلنة على الرأي العام لدينا؟

بالطبع فأنا أحسد الأشقاء العراقيين على مختلف مذاهبهم وألوانهم السياسية، على حيوية انتخابية وسياسية مستمرة هناك، وإصرار من كافة القوى على تقديم الأفضل لهذا الوطن، ومن هنا نقرأ إصرار كتل كردية على سبيل المثال، بعد تضحيات قدمها الأشقاء الأكراد فى مواجهة داعش، الزعيم الكردي، على الوصول بالمفاوضات السياسية إلى بر أمان يضمن للعراق مستقبل أفضل ولمواطنيه حقوقا متساوية.

وقد طالعت رؤية الزعيم الكردي مسعود بارزاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، أكبر الأحزاب حظًا فى الانتخابات التشريعية الأخيرة، بشأن المستجدات والمعادلات السياسية الجديدة في العراق، وحقوق سكان إقليم كردستان الذين يرى الحزب التوافق والمشاركة واحترام الدستور أسس ثابتة مقبولة للجميع عند النظر فى تشكيل حكومة جديدة وتوجيه آلية وطنية لعملها وسياساتها.

هذه الرؤية يمكن أن تقرأ معها طبيعة الأشقاء الأكراد الذين ظلوا فى خدمة مشروع وطني وقومي كبير رغم ما تعرضوا له فى تاريخهم المعاصر من أزمات مع مركزية الحكم التى أهملت إقليمهم وتجاهلت تنميته واستغلاله بالشكل الأمثل لصالح شعب العراق والكرد معا، ولو أن هذه النظرة المركزية نحو الإقليم تغيرت، لفشلت كل التدخلات الخارجية التى لا أتصور أنها تريد خيرا للعراق والعراقيين كافة.

إنها مصارحة تاريخية قبل أن تكون رؤية لسياسي مثلي يباشر تحليلًا مبسطًا مع واقع مقارن لتدخلات شبيهة فى الشئون الداخلية لبلدان عربية، فالتاريخ يصارحنا بأن العراق محاصر دومًا بمن يريد استعادة امبراطوريته على حساب هذا الشعب، ويبحث دومًا عن الشوكة التى يغرسها فى قلب أي دولة عربية لتصيبها علة تظل لسنوات وعقود تشكو جرحًا بسببها.

 وأيًا كانت الخلافات والاختلافات، فلا أجد فى الأشقاء العراقيين كافة، إلا رجاحة العقل والحنكة السياسية التى تمكنهم من تجاوز عن صغائر والسير نحو المستقبل والتعايش المشترك، وهى رسالة يحملها أيضًا ويكررها الأشقاء الأكراد، مدركين حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم فى الدفاع عن هذا الوطن وحقوق أبنائه دون استثناء أو تمييز أو استبعاد.

و ظني أن المشاكل العالقة بين أربيل وبغداد يمكن تجاوزها بترجيح كفة الدستور وإسناد كافة القرارات إلى مرجعية دستورية وقانونية، والانطلاق بتشكيل حكومة توافقية جديدة نحو المستقبل، وقراءة خطط جديدة لتنمية أقاليم البلاد كافة، ووضع تصورات متطورة لخطط جذب استثمار حقيقي للبلاد، خاصة الاستثمار العربي، فرءووس الأموال العربية لن تجد أفضل من العراق وشعبه المتوحد بعرقياته ومذاهبه، حتى تحضر بأفكارها ومشروعاتها إليه، وتسهم فى رؤية جديدة للعراق ومستقبله، تصاغ باتفاق مشترك لأبنائه كافة.

مهندس مصري وكاتب وسياسي – عضو الهيئة العليا لحزب المصريين الأحرار  

شاهد أيضاً

بارزانى لزعماء السنة: يجب تجنب تكرار “أخطاء الماضى”

شدد الزعيم الكردي مسعود بارزاني الأحد على ضرورة تجنب “أخطاء الماضي” خلال عملية تشكيل الحكومة …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co