السبت , 25 مايو 2019
دراسة لـ"أوابك" عن غاز شرق المتوسط: مصر أكبر سوق للطاقة بالمنطقة وتشهد نمواً يحفز ويشجع على الاستثمار 

دراسة لـ”أوابك” عن غاز شرق المتوسط: مصر أكبر سوق للطاقة بالمنطقة وتشهد نمواً يحفز ويشجع على الاستثمار 

كتبت – رشا الشريف 

أصدرت منظمة الاقطار العربية المصدرة للبترول أوابك، دراسة حديثة حول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، ومن ضمنها اكتشاف حقل ظهر وحقول شمال الاسكندرية فى البحر المتوسط : بعنوان”واقع آفاق الغاز الطبيعى فى منطقة شرق المتوسط”.

وذكر الأمين العام للمنظمة عباس على النقى ، لقد حظيت منطقة شرق المتوسط بقدر بالغ من الاهتمام في السنوات الأخيرة، بعد تحقيق عدة اكتشافات متتالية للغاز، مثل اكتشاف ” أفروديت” في المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، واكتشاف ” ظهر” في المنطقة الاقتصادية الخالصة لجمهورية مصر العربية، وغيرهما. فمن الناحية الجيولوجية، تضم منطقة شرق المتوسط حوضي “ليفانت” و”دلتا النيل” الرسوبيين، وهما يمتدان معاً على مساحة 333,000 كم2 شرق البحر المتوسط. وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن متوسط حجم مصادر الغاز غير المكتشفة والقابلة للاستخراج فنياً في الحوضين يقدر بحوالي 346 تريليون قدم مكعب. وفي هذا السياق، فإن ما أسفرت عنه أنشطة البحث والاستكشاف من اكتشافات يأتي في سياق متصل يبرهن على أن المنطقة غنية بالغاز، مما قد يغير من سيناريو الطاقة في دول المنطقة، وينبئ بإمكانية تحويل منطقة شرق المتوسط ككل إلى محور إقليمي-وربما عالمي-للطاقة

وأضاف “مما لا شك فيه أن مشاريع النفط والغاز تلعب الدور المحوري في تلبية احتياجات الدول من مصادر الطاقة، ودعم خططها التنموية، وتنفيذ رؤيتها المستقبلية. ولقد شرعت بالفعل بعض دول المنطقة مثل جمهورية مصر العربية في تنفيذ مشاريع تطويرية لاكتشافات الغاز لديها في مسعى نحو تأمين احتياجاتها في السوق المحلي. وفي حال تطوير كافة الاكتشافات الحالية، فمن المتوقع أن يكون هناك فائض عن احتياجات دول المنطقة يمكن تصديره إلى الأسواق المجاورة، وهو الأمر الذي سيعزز من أهمية منطقة شرق المتوسط مستقبلاً على خريطة الطاقة، خاصة إذا ما تحققت اكتشافات جديدة في ضوء أنشطة البحث والاستكشاف الجارية. وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول منطقة شرق المتوسط إلى “محور” يمد أسواق كبرى بالغاز خاصة السوق الأوروبي الذي يسعى نحو تنويع مصادر إمداداته في إطار خططه الرامية نحو تعزيز أمنه في مجال الطاقة.

وتابع من “من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة فهي تعطي استعراضاً وتحليلاً شاملاً لأنشطة البحث والاستكشاف عن الغاز في منطقة شرق المتوسط وما أسفرت عنه من اكتشافات خلال العقدين الماضيين، بالإضافة إلى تقديرات ثروات المنطقة غير المكتشفة من النفط والغاز. كما تتطرق إلى تداعيات اكتشافات الغاز الأخيرة في منطقة شرق المتوسط على المستويين الإقليمي والعالمي، والسيناريوهات المختلفة لتحويل المنطقة إلى محور عالمي للغاز في المنظور القريب والبعيد.

وأشار إلى أن الأمانة العامة إذ تصدر هذه الدراسة المتخصصة، في إطار سعيها الدؤوب نحو رصد وتحليل أبرز المتغيرات والتطورات في قطاع الغاز الطبيعي بالمنطقة، وما لذلك من تداعيات وانعكاسات على المستويين الإقليمي والدولي، لتوفر مادة ثرية للخبراء، والاختصاصين، وصانعي القرار.

أهداف الدراسة

تهدف الدراسة إلى استعراض اكتشافات الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط خلال العقدين الماضيين، والتي تأتي في سياق متصل يبرهن على أن منطقة شرق المتوسط بمثابة مقاطعة غنية بالغاز. كما تتطرق الدراسة إلى إمكانية تحويل منطقة شرق المتوسط إلى محور للطاقة يساهم في تلبية الطلب على الغاز على المستويين الإقليمي والدولي.
تقع الدراسة في ثلاثة فصول، حيث يتناول الفصل الأول الأحواض الرسوبية في منطقة شرق المتوسط، ومتوسط تقديرات ثرواتها الهيدروكربونية غير المكتشفة. كما يستعرض الفصل أنشطة البحث والاستكشاف في منطقة شرق المتوسط، وما أسفرت عنه من اكتشافات.

بينما يتناول الفصل الثاني خطط تطوير الحقول المكتشفة حديثا في منطقة شرق المتوسط، وبرامجها الزمنية المعلنة، وكيف تساهم في تلبية الطلب على الغاز في دول المنطقة.

وتعد مصر أولى دول شرق المتوسط في إجراء عمليات للبحث عن الغاز في منطقة البحر المتوسط، وذلك عبر طرح عدة مزايدات عالمية منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي. حيث تعود البداية الفعلية لنشاط مصر في فتح مياه البحر المتوسط أمام شركات البترول العالمية في منطقة المياه العميقة إلى عام 1998، عندما طرحت الهيئة المصرية العامة للبترول جولة التراخيص الأولى والتي تضمنت ثمانية قطاعات بمساحة إجمالية 170,188 كم2؛ من بينها ثلاثة قطاعات بحرية في منطقة البحر المتوسط، والتي أسفرت عمليات البحث والاستكشاف فيها عن تحقيق اكتشافات واعدة للغاز.

كما شهدت الفترة (2002-2015) نشاطاً مكثفاً في طرح المزايدات العالمية للبحث عن النفط والغاز في منطقة المتوسط ودلتا النيل كما هو مبين بالجدول-2، والتي لاقت إقبالاً واضحاً من شركات البترول العالمية مثل BP و ENI وغيرهم، وعلى إثر ذلك، حصلت عدة شركات عالمية على حقوق الامتياز في عدة قطاعات بحرية، ونجحت في تحقيق اكتشافات ساهمت في تحقيق قفزة كبيرة لقطاع الغاز الطبيعي في مصر، وهو الأمر الذي كان له انعكاسا واضحا على مسار التنمية في مصر.

ويعد اكتشاف “ظهر” الذي حققته شركة Eni الإيطالية في آب/أغسطس 2015، الاكتشاف الأكبر للغاز في مصر، وأكبر اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط. ويقع “ظهر” على بعد 190 كم قبالة السواحل المصرية، وعلى مقربة من الحدود البحرية المشتركة لمصر مع قبرص، حيث يبعد حوالي 4-6 كم من القطاع-11 بالمياه الاقتصادية الخالصة لقبرص، ونحو 40 كم فقط من حقل “أفروديت” القبرصي.

ومن زاوية أخرى، ساهمت الاكتشافات المتتالية للغاز التي بدأت وتيرتها تتصاعد من عام 2000 كما هو مبين بالجدول-3، في دعم الاحتياطي المتبقي من الغاز، وجذب الاستثمارات الأجنبية لإنشاء بنية أساسية لتصدير الغاز الفائض، حيث قامت مصر بإنشاء محطتي لتصدير الغاز الطبيعي المسال في مدينتي دمياط وإدكو عام 2005، بالإضافة إلى خطي أنابيب لتصدير الغاز إلى دول الجوار، وهما خط الغاز العربي لتصدير الغاز إلى الأردن وسوريا ولبنان، وتقدر طاقته التصميمية بنحو 1 مليار قدم مكعب غاز/اليوم؛ والخط البحري لتصدير الغاز إلى فلسطين المحتلة بطاقة 677 مليون قدم مكعب/اليوم.

على صعيد آخر، انطلقت عمليات البحث عن النفط والغاز قبالة سواحل فلسطين المحتلة منذ مطلع السبعينات، حيث شهدت الفترة (1970-1990) حفر العديد من الآبار الاستكشافية في المياه الضحلة (على بعد 10-20 كم من خط الساحل) لكنها لم تسفر عن تحقيق أية اكتشافات تجارية؛ إلا أنه في عام 1999، تم الإعلان عن أول اكتشاف للغاز “نوا-1” Noa-1 على بعد 40 كم غرب مدينة عسقلان. كما حقق ائتلاف بقيادة شركة BG البريطانية في عام 2000، أول اكتشاف للغاز “غزة مارين” قبالة سواحل قطاع غزة، على بعد 36 كم غرب مدينة غزة.

أما من جانب استهلاك الغاز في دول منطقة شرق المتوسط، فتعد مصر المستهلك الأكبر على الإطلاق، حيث بلغ إجمالي استهلاكها من الغاز عام 2017 حوالي 5.7 مليار قدم مكعب/اليوم (58.8 مليار متر مكعب/السنة)، وتأتي فلسطين المحتلة في المرتبة الثانية حيث بلغ استهلاكها عام 2017 حوالي 1 مليار قدم مكعب/اليوم (10.2 مليار متر مكعب/السنة). أما في سوريا، فقد تراجع استهلاك الغاز بشكل حاد خلال السنوات الخمس الماضية، ليصل إلى متوسط 390 مليون قدم مكعب/اليوم (4 مليار متر مكعب/السنة) عام 2017 كما هو مبين بالشكل-5.

وبذلك يكون إجمالي استهلاك الغاز في منطقة شرق المتوسط (مصر، فلسطين المحتلة، سوريا) حوالي 7.1 مليار قدم مكعب/اليوم، حيث يشكل استهلاك مصر وحده نحو 80% من الإجمالي، وهو الأمر الذي يعكس “حجم السوق المصري” مقارنة بباقي دول المنطقة.

لعبت اكتشافات الغاز في شرق المتوسط دوراً هاماً في تأمين احتياجات بعض دول المنطقة وبالأخص مصر وفلسطين المحتلة من الغاز. حيث تعد مصر أكبر سوق للطاقة بشكل عام في المنطقة، وتشهد نمواً سنوياً مستمراً في الطلب عليها، وهو ما يحفز ويشجع على الاستثمار في مواردها النفطية والغازية لتلبية احتياجات السوق المحلي من موارد الطاقة. ويمكن تقسيم التطورات والتغيرات الديناميكية التي شهدها إنتاج الغاز الطبيعي منذ عام 2000 إلى ثلاثة مراحل كما هو مبين بالشكل-6، حيث تمثل المرحلة الأولى طفرة الإنتاج وتنفيذ مشاريع التصدير وهي تمتد خلال الفترة (2000-2010)، بينما تمثل المرحلة الثانية تراجع إنتاج الغاز وبدء الاستيراد وهي تمتد خلال الفترة (2011-2016). أما المرحلة الثالثة فبدأت عام 2017 بانطلاق مشاريع التطوير الجديدة للاكتشافات الكبرى مثل اكتشاف “ظهر” في منطقة شروق البحرية، واكتشاف “أتول” في منطقة شمال دمياط البحرية، والاكتشافات السابقة في منطقة غرب دلتا النيل (تورس، وليبرا، ورافين، وجيزة، وفيوم)، وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز قبل عام 2020.

ولعل أبرز ما شهده قطاع الغاز في مصر (ضمن تطورات المرحلة الثالثة وفق الشكل المسبق)، هو نجاح تشغيل حقل “ظهر” في زمن قياسي، حيث أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية في كانون الأول/ديسمبر 2017، بدء التشغيل التجريبي بمعدل إنتاج مبدئي 350 مليون قدم مكعب غاز/اليوم، وذلك بعد نجاح اختبارات التشغيل الفنية لوحدات المعالجة وخطوط نقل الغاز من آبار الحقل إلى محطة المعالجة. وقد نجحت شركة Eni في الإسراع برفع إنتاج “ظهر” في وقت قياسي أيضاً، حيث بلغ نحو 2 مليار قدم مكعب/اليوم في شهر أيلول/سبتمبر 2018، أي بعد نحو تسعة أشهر من بداية تشغيله، وقبل نحو عام عن الجدول الزمني المخطط. وفي سياق آخر، بدأ إنتاج الغاز من المرحلة الأولى لمشروع تطوير “أتول” في شهر شباط/فبراير 2018، قبل نحو سبعة أشهر من الموعد المحدد. وقد بلغ إنتاج المرحلة الأولى حوالي 350 مليون قدم مكعب/اليوم من الغاز، بالإضافة إلى 10,000 برميل/اليوم من المتكثفات.

كانت مصر أيضاً محل أنظار الشركاء في المشروع المشترك لتطوير حقل “تمار” والمشروع المشترك لتطوير حقل ” ليفياثان”. وتأتي أهمية مصر لسببين رئيسيين، أولهما لأنها تملك محطات لإسالة الغاز في مدينتي دمياط وإدكو على ساحل البحر المتوسط وشبه متوقفة عن التشغيل، ومن ثم يمكن الاستفادة منها كوجهة لإعادة التصدير. أما السبب الثاني، فهو أن مصر سوق كبير للغاز، ويشهد نمواً سنوياً ملحوظاً في الطلب عليه، يفوق مستويات الإنتاج المحلي الذي تراجع بشكل حاد خلال الأعوام القليلة الماضية. وفي هذا الصدد، نجحت الشركات المطورة لحقلي “تمار”، و”ليفياثان” في توقيع “مذكرتي تفاهم” مع الشركات الأوروبية المالكة لمحطات إسالة الغاز الطبيعي في مصر لتصدير الغاز إليها. وستؤمن هذه الاتفاقيات حال تنفيذها بيع نحو 6.25 تريليون قدم مكعب/اليوم من احتياطيات الغاز في الحقلين.

أما من جانب السوق المحلي بمصر، فقد تم توقيع اتفاقيات نهائية بين شركة Noble Energy وشركائها، وشركة دولفينوس المصرية في شباط/فبراير 2018، تقضي بتصدير الغاز من حقلي” تمار”، و”ليفياثان” إلى شركات صناعية ومصانع بتروكيماويات ومحطات كهرباء بكمية إجمالية 1.15 تريليون قدم مكعب من كل حقل على حدة (أي بإجمالي 2.3 تريليون قدم مكعب). يلخص الجدول-7 الاتفاقيات الموقعة لتصدير الغاز من حقلي “تمار” و” ليفياثان” إلى مصر.

ولترجمة تحويل منطقة شرق المتوسط وتحديداً من قبرص، وفلسطين المحتلة، ومصر كمصدر محتمل يساهم في تلبية الاحتياجات المستقبلية لأوروبا من الغاز، فهناك عدة سيناريوهات مقترحة لاستغلال الموارد المكتشفة ومنها على سبيل المثال الاستيراد مباشرة من فلسطين المحتلة بواسطة ناقلات الغاز الطبيعي المسال، أو إنشاء خط أنابيب يربط فلسطين المحتلة بقبــرص ويمر عبر اليونــــان ومنها إلى أوروبا. بيد أن أغلب السيناريوهات المقترحة تصطدم في نهاية المطاف بعدة معوقات فنية أو اقتصادية تحول دون تنفيذها على المدى القريب أو المتوسط، وهو ما يستدعي البحث عن سيناريو يمكن تنفيذه على المدى القريب.
الشكل-10: كميات الغاز المتاحة للتصدير من منطقة شرق المتوسط حتى عام 2040

ويعد سيناريو استغلال مجمعات الإسالة المتاحة لدى مصر لتصدير غاز شرق المتوسط، السيناريو الأقرب إلى التنفيذ في المدى القريب أولاً بحكم أنها قائمة وغير مستغلة، وثانياً لموقعها الجغرافي المتميز الذي يتوسط حقول شرق المتوسط من ناحية، والأسواق الأوروبية من ناحية أخرى ـ  كما أن مجمعات الإسالة قابلة للتوسع بإضافة وحدات جديدة بتكلفة أقل لكونها مشاريع قائمة بالفعل، حيث يمكن إضافة وحدة إسالة جديدة في مجمع دمياط، لتصل إجمالي الطاقة التصديرية للمجمع إلى قرابة 10 مليون طن/السنة (تكافئ 1.3 مليار قدم مكعب/ اليوم). أما مجمع إدكو فيضم وحدتين فقط، وتسع أرض المجمع لست وحدات، أي يمكن أن تصل الطاقة التصديرية إلى 21.6 مليون طن/السنة (تكافئ 2.9 مليار قدم مكعب/اليوم)، وبالتالي يمكن أن تكون مصر مستقبلاً محوراً لتجميع وعبور غاز منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا.

إلا أن الأمر سيظل مرهونا أيضاً بقدرة مصر على تطوير مواردها من الغاز الطبيعي، وما ستسفر عنه عمليات البحث الجارية في العديد من القطاعات البحرية التي فازت بها الشركات الأوروبية مثل Eni وBP وغيرهما، حيث قد تتحقق اكتشافات جديدة يمكن تطويرها، وتحقق فائض عن حاجة السوق المحلي يمكن تصديره عبر محطات الإسالة شبة المتوقفة. 

ولا شك أن هذا هو الوضع الأفضل لمصر لأنه سيسهم في ضخ الاستثمارات الأجنبية مباشرة في قطاع البترول المصري بتنفيذ مشاريع تطويرية مستقبلية تساهم في دفع عجلة الإنتاج ودعم الاقتصاد. علاوة على تنافسية تصدير الغاز من مصر مباشرة لانخفاض التكلفة مقارنة بإعادة تصدير الغاز من قبرص أو فلسطين المحتلة (بعد إسالته)، في ضوء ضرورة استرداد التكاليف الرأسمالية التي سيتم انفاقها من قبل الشركات المطورة في إنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز إلى محطات الإسالة مصر، وتكاليف الإسالة ذاتها، وإعادة التصدير إلى الأسواق الأوروبية.

4: الخلاصة والاستنتاجات
أجرت الدول المطلة على منطقة شرق المتوسط منذ عقود عدة دراسات جيولوجية وجيوفيزيائية لتحديد وتقييم مواقع المكامن الجيولوجية المأمولة في شرق مياه المتوسط. وتضم منطقة شرق المتوسط حوض “ليفانت” الرسوبي والذي يمتد على مساحة 83,000 كم2، وهو يبدأ من شمال مصر على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط مروراً قبالة سواحل قطاع غزة وفلسطين المحتلة، ولبنان، وسوريا، وقبرص حتى يصل إلى تركيا. كما تضم حوض “دلتا النيل” الذي يمتد القسم الأكبر منه أسفل المياه المصرية، وهو يمتد على مساحة شاسعة تبلغ نحو 250,000 كم2. وقد استعانت دول شرق المتوسط بكبريات الشركات العالمية المتخصصة في جمع وتفسير بيانات المسح السيزمي ثنائي وثلاثي الأبعاد مستخدمة أحدث التقنيات المتوفرة في هذا المجال لتقييم جيولوجيا المنطقة، والتي أسفرت نتائجها عن وجود هيكليات وطبقات جيولوجية واضحة المعالم قد تشكل مكامن محتملة للنفط والغاز.

وبالرغم من الصعوبات الفنية التي واجهت عمليات البحث والاستكشاف في المنطقة، استطاعت شركات البترول العالمية مثل BP، وEni تحقيق عدة اكتشافات كبرى للغاز مثل “تمار”، “ليفياثان”، “أفروديت”، “ظهر”، “أتول” كما هو مبين بالجدول-8، التي تأتي في سياق متصل يبرهن على أن شرق المتوسط بمثابة مقاطعة غنية بالغاز، إلا أن الوقت لا يزال مبكراً جداَ لاكتشاف ثروات منطقة شرق المتوسط بشكل كامل.
في ضوء الاكتشافات الغازية التي تم تحقيقها في منطقة شرق المتوسط، قامت بعض دول المنطقة بالإسراع بتطوير هذه الاكتشافات، للاستفادة من إنتاج الغاز في تلبية احتياجات السوق المحلي، ولتصدير الفائض لتحقيق عائدات تغطي تكاليف الاستثمار، وتحقق الفائدة الاقتصادية. بينما لم يتمكن البعض الآخر من تطوير اكتشافات الغاز حتى الآن، بسبب بعض العقبات الفنية والاقتصادية. ويعد العائق الأساسي للاستثمار هو كيفية تسويق إنتاج الغاز على المستوى المحلى أو الإقليمي، خاصة أن مشاريع تطوير حقول الغاز الواقعة في المياه العميقة والعميقة جداً تتطلب استثمارات باهظة، وبالتالي لابد من إبرام اتفاقيات مسبقة لضمان بيع الغاز المزمع إنتاجه لتحقيق عائدات تغطي تكاليف الاستثمار، وتحقق الفائدة الاقتصادية.
الجدول-8: أبرز اكتشافات الغاز التجارية في منطقة شرق المتوسط

وتعد مصر أكبر سوق للطاقة بشكل عام في المنطقة، وتشهد نمواً سنوياً مستمراً في الطلب عليها، وهو ما يحفز ويشجع على الاستثمار في مواردها النفطية والغازية لتلبية احتياجات السوق المحلي من موارد الطاقة. كما نجحت مصر في تعظيم القيمة المضافة من الاكتشافات الغازية التي بدأت وتيرتها تتسارع منذ عام 2000، بتنفيذ مشاريع لتصدير الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى الدول المجاورة، وبإنشاء محطات لإسالة الغاز في مدينتي إدكو ودمياط على ساحل البحر المتوسط. إلا أنها شهدت تراجعاً حاداً في الإنتاج في الآونة الأخيرة نتيجة تراجع أنشطة التطوير، وهو ما دفع مصر لاستيراد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب المحلي المتزايد. إلا أن اكتشاف “ظهر” وغيره من الاكتشافات الحديثة التي جاءت ثمار عمليات البحث في البحر المتوسط في السنوات الأخيرة كان له أثراً إيجابياً، حيث تبنت مصر استراتيجية طموحة تقضي بالإسراع بتطوير هذه الاكتشافات ودخولها على الإنتاج في أقرب وقت ممكن، بغية الاكتفاء الذاتي مجدداً قبل عام 2020.

 

شاهد أيضاً

الأوقاف : استكمال  باب حجز لوحدات اسكان اجتماعي بمدينتي العاشر من رمضان و السادات لـ٣٠ يونيو 

الأوقاف : استكمال  باب حجز لوحدات اسكان اجتماعي بمدينتي العاشر من رمضان و السادات لـ٣٠ يونيو