الجمعة , 18 أكتوبر 2019

د. ابو العلا عطية يكتب تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات البازغة وكيفية تسخيرها لأغراض التنمية الوطنية

 

تمثل الثورة الصناعية الرابعة تطوراً مكثفاً للمعلومات في عمليات التصنيع والصناعات الأخرى إلى الأنظمة الفيزيائية الإلكترونية في بيئة متصلة من البيانات والأشخاص والعمليات والخدمات والأنظمة والأصول الصناعية التي تدعم تقنيات إنترنت الأشياء مع توليد المعلومات القابلة للتنفيذ والاستفادة منها باعتبارها طريقة ووسائل لتحقيق الصناعة الذكية والنظم الإيكولوجية للابتكار الصناعي والتعاون. تعمل الثورة الصناعية الرابعة على إنشاء ما يُسمى المصنع الذكي المعياري والمنظم, التى يقوم بعملية مراقبة الأنظمة الفيزيائية وإنشاء نسخة افتراضية من العالم المادي، وتتخذ قرارات لا مركزية. تعمل الثورة الصناعية الرابعة على تمكين شركات التصنيع من تقليل الوقت بين حدث ما وتنفيذ الاستجابة المناسبة بشكل كبير, وذلك من خلال تواصل البشر والآلات الجاهزة فعليًا مع بعضهم البعض للحصول على نظام تصنيع مُحسّن ومحتمل بدرجة أكبر. تتميز الثورة الصناعية الرابعة بإدخال مفهوم إنترنت الأشياء (IoT) وإنترنت الخدمات في التصنيع ، مما يتيح للمصانع الذكية أنظمة إنتاج متكاملة رأسياً وأفقياً.
تمثل التكنولوجيات الجديدة البازغة دائمًا إمكانية إنشاء صناعة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات من شيء لم نحدده بعد. إن التعرف المبكر على تقنيات الغد سوف يسمح للشركات فى الوطن العربى الاستفادة الكاملة منها ودفع النمو في المستقبل للصالح العام. علينا أن نضع خرائط طرق وآليات على المستوى الافريقى والوطن العربى لتحديد تكنولوجيات المرحلة المبكرة العالية القدرة، وإعطاء الأولوية لها، وتصميم وتشغيل برنامج لجذب الاستثمار، ودعم الشركات الناشئة لتلك التكنولوجيات وتتبع التقدم الذي تحرزه مع تطورها إلى صناعات المستقبل الناشئة.

 

علينا أولا تحديد برامج التقنيات والصناعات البازغة فى جميع القطاعات منها الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات حيث تمتل مصر الامكانيات فى البحث العلمى والتطوير فى عددًا كبيرا من المجالات التي نعتقد أن أعمال البحث العلمى يمكن ترجمتها إلى منتجات تجارية ناجحة. هذه المجالات على سبيل لبمثال وليس الحصر هي الحوسبة الموفرة للطاقة، الذكاء الاصطناعى، إنترنت الاشياء, الطابعات ثلاثية الابعاد, بلوكتشين, طائرات بدون طيار, الواقع الافتراضي – الواقع المعزز ,البيانات الضخمة, الحوسبة بدون خادم, الحسابات الكمية, الذكاء, شبكات الجيل الخامس, مراكز البيانات بالطاقة الذاتية, والانسان المعزز (Augmented human)وغيرها من التكنولوجيات فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

 

غالبًا ما تُعتبر البيانات “الذهب الجديد” أو “النفط الجديد”، وهي بلا شك الأساس لتطوير أنظمة ذكية. الآلات قادرة على “التعلم” من خلال معالجة ورؤية أنماط في البيانات، والتي قد تأتي من المستندات النصية والصور والفيديو وملفات الصوت. غالبًا ما يكون الوصول إلى البيانات النظيفة هو المحدد الرئيسي لنجاح الذكاء الاصطناعي, يعد الوصول الى كميات هائله من البيانات أمرا حيويا لزيادة فاعلية الذكاء الاصطناعي. حيث تتمتع المنصات الكبيرة وشركات التكنولوجيا التي تخلق كتل من كميات كبيره من البيانات بميزه متميزة مقارنه بالشركات الصغيرة والناشئة ، مما يؤدي إلى خلق سوق مشوه جدا.
ويمثل تقارب البيانات تحديا آخر حيث أن الكثير من البيانات اما “مبهمه” (غير مهيكله، وغير قابله للاستخدام بسهوله) أو متباينة (يصعب الجمع بينها). لذا تحتاج المنظمات إلى ان تكون قادره علي التقارب وإدراك البيانات من مصادر مختلفة مثل أجهزه استشعار إنترنت الأشياء والشبكات الاجتماعية. فكلما زادت كثافة البيانات وتنوعها، ازدادت فرص العثور علي معلومات غير معروفة وهي علاقات لم تكن معروفه بوجودها أو لم يتم البحث عنها علي الإطلاق.

 

يعد التعليق التوضيحي للبيانات أمرًا حاسم وبالغ الأهمية، نظرا لمتطلبات البيانات الموسومة أو المشروحة المطلوبة للتعلم الألى أو الذكاء الاصطناعي. ففي معظم الحالات، يجب ان تكون البيانات مشروحه يدويا أو بطرق نصف آلية لغرض التعلم الألى، علي الرغم من انه يمكن في بعض الأحيان إنشاء بيانات مشروحه تلقائيا من المصدر. والتطورات التكنولوجية في نظم التعليقات التوضيحية للبيانات ليست في مستوي يمكن فيه استبدال التعليق التوضيحي اليدوي.

 

كل من هذه المجالات لديه القدرة على أن تكون صناعة جديدة بمليار الدولارات للوطن بالاضافة الى زيادة النمو الاقتصادي في المستقبل، إلا أننا لا نعرف حتى الآن أي منها سيكون له أكبر الأثر على المستوى الوطني, لذلك علينا ان نتوقع مزيد من التقنيات البازغة التي لديها إمكانية أن تكون صناعات تبلغ قيمتها مليار ات الدولارات.
أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال كلمته بافتتاح “مجموعة الـ77 والصين” على هامش اجتماعات الجمعية العامة 2018، “إن التحولات السياسية والاقتصادية والتقنية ذات الوتيرة المتسارعة وتأثيرها على مختلف مناحي الحياة تمثل منعطفًا مفصليًا ستكون لتبعاته آثار ستغير من نمط الحياة في عالمنا المعاصر، وعلى دولنا وشعوبنا التي تمثل 80% من سكان هذا العالم، وأحد أهم أوجه هذه التحولات هي “التكنولوجيا البازغة” وأثرها على فرص العمل”. وسوف تساعد هذة التكنولوجيات البازغة على زيادة الإنتاجية والكفاءة ويخفض من التكاليف؛ كما أنه محرك رئيسي للابتكار وإطلاق فرص عمل جديدة وفرص نمو ومن المتوقع أن يكون هذة التكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعي لها الميزة التنافسية للقرن الحادي والعشرين حيث يقع على عاتق صناع السياسات وقادة الأعمال الآن مسؤولية الاستفادة من هذه الفرصة.

 

ويمكن الإستثمار في تكنولوجيات البازغة في قطاع الخدمات الحكومية وسيشمل ذلك شبكة من مراكز أبحاث الابتكار والبحث والتطوير التعاوني لتطوير تطبيقات جديدة لهذة التكنولوجيات ومنها الذكاء الإصطناعى وانترنت الاشياء وبلوكتشيت والتكنولوجيات التي تعتمد على البيانات في قطاعات مثل الكهرباء والتأمين والمعاشات.
يمكن الإستثمار فى برامج الروبوتات و الذكاء الاصطناعي في البيئات القاسية، نحو البحث والتطوير لاستخدامها في صناعات مثل الطاقة البحرية والطاقة النووية، الفضاء والتعدين العميق، بهدف دعم ممارسات عمل أكثر أمانًا للأشخاص في البيئات القاسية التي يمكن أن تمنع الضرر المحتمل وزيادة الإنتاجية.

 

إتاحة جميع الفرص الإستثمارية في مصر من خلال رؤية متكاملة، حيث يتواصل المستثمرون المصريون والعرب والأجانب مع مجلس او هيئة للتكنولوجيات البازغة الذكية من خلال خريطة الكترونية ذكية والتي تقدم لهم معلومات عن المطارات والموانئ والمناطق الأستثمارية والمناطق الحرة والمناطق التكنولوجية الصناعية.
لقد أصبح الابتكار التكنولوجي مفتاح التمايز التنافسي حيث قال برايان بيرك، نائب رئيس الأبحاث في شركة غارتنر “تسير وتيرة التغيير في التكنولوجيا في تسارع مع استمرار التحديات التكنولوجية باستمرار حتى صناع القرار في مجال الأعمال والتكنولوجيا الأكثر إبتكارًا لمواكبتهم”,.”على سبيل المثال، يمكن للأقمار الصناعية ذات المدار الأرضي المنخفض (LEO) أن توفر اتصال إنترنت منخفض زمن الوصول على مستوى العالم. ستمكن هذه المجموعات من الأقمار الصناعية الصغيرة من الاتصال بـ 48٪ من المنازل غير المتصلة حاليًا، مما يوفر فرصًا جديدة للنمو الاقتصادي للبلدان والمناطق التي لا تتمتع بخدمات ومع إطلاق عدد قليل من الأقمار الصناعية فى هذا الاتجاة، لا تزال التكنولوجيا في مهدها، لكن على مدار الأعوام القليلة المقبلة، يمكن أن يكون لها تأثير اجتماعي وتجاري كبير.
مثال اخر للتكنولوجيات البازغة فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات, تتيح التطورات البشرية المعززة (Augmented human) إنشاء تحسينات معرفية وجسدية كجزء لا يتجزأ من جسم الإنسان من خلال تضمين تقنيات مثل الرقائق الحيوية والعاطفة. سيوفر البعض “قدرات خارقة” -. مثال على ذلك هو القدرة على توفير قدرات خارقة مثل تكوين الأطراف الاصطناعية يتجاوز قوة الذراع البشرية – في حين أن البعض الآخر سيخلق بشرة روبوتية حساسة للمس مثل بشرة الإنسان. كما ستوفر هذه التقنيات في النهاية تجربة أكثر سلاسة تعمل على تحسين صحة البشر وذكائهم وقوتهم بخصائص يمكن أن تتجاوز أعلى أداء بشري طبيعي.
فى مجال التعليم, تلهم التقنيات البازغة العلماء والباحثين بإحداث ثورة في طريقة تفاعل الطلاب والمعلمين. في بعض الأحيان، تهدف إلى القضاء على بعض عناصر التعليم تمامًا، بما في ذلك الحاجة إلى القرب المادي من الفصل، والكتب المدرسية باهظة الثمن، أو حتى وجود معلم بشري. على غرار الوعود التي قطعتها التطبيقات على هواتفنا الذكية، تحاول هذه التقنيات التعليمية جعل التعلم أكثر فاعلية وجاذبية وملاءمة وتسلية وتعطى الفرص الى التعليم مدى الحياة.
فى المجال الرعاية الصحية وعلى الرغم من أن العديد من التقنيات الطبية موجودة منذ عقود وهي في طور التطوير المستمر، فإن بعض التقنيات الحديثة ستغير طريقة ممارسة الطب في المستقبل. تتيح هذه التقنيات ممارسة طبية من أي مكان وفي أي وقت ومن أي جهاز. وتشمل هذه الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر اللوحية وشاشات اللمس والحبر الرقمي والتعرف على الصوت والسجلات الصحية الإلكترونية وتبادل المعلومات الصحية وشبكة المعلومات الصحية على الصعيد الوطني وسجلات الصحة الشخصية, الطب الشخصي القائم على الجينوم، نظام تحديد الموقع الجغرافي، تحديد الترددات الراديوية، التطبيب عن بُعد، دعم اتخاذ القرارات السريرية، الرعاية الصحية المنزلية المتنقلة، الحوسبة السحابية، والوسائط الاجتماعية وغيرها من التقنيات التكنولوجية الحديثة.
يمكن أن تعمل الروبوتات جنبًا إلى جنب مع المعلوماتية الصحية لتمكين عملية جمع البيانات بشكل مستقل، والتي يمكن أن توفر بيانات دقيقة ومستمرة للمتخصصى المعلوماتية الصحية عبر العديد من مجالات الرعاية الصحية، مثل الجراحة، وتوصيل الأدوية، وإعادة التأهيل المعرفي وإدارة المريض.
لتحقيق ما سبق, على الدولة وضع خطة منسقة لتشجيع تعليم التكنولوجيات البازغة فى جميع المجالات ليس فقط قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بل بجميع القطاعات، وتحفيز روح المبادرة في هذة التكنولوجيات معا او منفردة، وتسهيل التعاون بين الباحثين والخبراء في نطاق هذة التكنولوجيات وتاثيرها على قطاعات التنمية المختلفة من رعاية صحية وتعليم وزراعة ومواصلات وخدمات حكومية وغيرها من المجالات. نحتاج إلى إستراتيجيات مع مجموعة من الأهداف الطموحة لتوطين هذة التكنولوجيات والبحث والتطوير والتصنيع. يجب على المؤسسات المختلفة إقامة علاقات مع الخبراء من الوطن في جميع التقنيات البازغة وعلى وضع خارطة طريق لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بما في ذلك انشاء صناديق للتكنولوجيات البازغة.
أخيرًا، يجب على الحكومة إنشاء إطار قانوني موحد ومجموعة من القيم التي ستساعد على ضمان أن هذة التقنيات تخدم التنمية والصالح العام والعمل ضمن إطار حوكمة مشترك لبعض من هذة التكنولوجيات مثل الذكاء الاصطناعى والروبوتات, ولاجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة مساهمته في تحقيق أهداف التنمية الوطنية، يلزم وضع سياسات حكومية واضحة لتوجيه لهذة التكنولوجيات وتوجيه التخطيط والاستثمار والتفاوض والرصد وتنفيذ الاستثمار.

 

 

 

الأستاذ الدكتور أبوالعلا عطيفى حسنين مقرر مجلس الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات – أكاديمية البحث العلمى والاستاذ بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعى – جامعة القاهرة ومؤسس ورئيس المدرسة البحثية العلمية المصرية

شاهد أيضاً

د وائل رضا يكتب خطورة الكلمة

  رسالتي الثانية عشر للسيد الرئيس/ عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية هي تأكيدا لما قاله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *