الخميس , 23 نوفمبر 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
د.عادل عامر
د.عادل عامر

د.عادل عامر يكتب: الشائعة وكيفية مواجهتها

إنّ الشائعةَ عملٌ مضرٌّ لا يقتصرُ ضرره على الأفرادِ بل قد يشملُ المجتمعَ كلَّه ، ولا ينحصرُ أثرها في فئةٍ دون أخرى أو أفرادٍ دون آخرينَ ، بل قد يشملُ أهلَ الفقهِ والفنِّ والسياسةِ والاقتصادِ والثقافةِ ، فالشائعةُ لا تستثني أحدا ولا أحدَ يسلمُ من شرورها ، كما لن تتوقفَ بواعثها وأسبابها طالما هناكَ تنافسيّةٌ في الحياةِ ومصالحٌ متداخلةٌ ، وغيرةٌ ، وسوءُ قصدٍ ونفوسٌ مريضةٌ تسعى لتحطيمِ صورةٍ مثاليةٍ عن إنسانٍ أو مجتمعٍ تعاديه.

إنَّ وسائلَ الإعلامِ تلعبُ دورا كبيرا في ترويجِ الشائعاتِ ونشرها بمختلفِ الوسائلِ ، فالشائعاتُ التي تنتقلُ صراحةً أو مجازا عبرَ الهمسِ ، سرعان ما تنتقلُ إلى وسائلِ الإعلامِ التي تقومُ بنشرها على نطاقٍ واسعٍ.

فالصحافةُ مثلا بنشرها صيغا مستقبليةً للألفاظِ توحي بالشائعةِ ، مثل قولها: تردّدَ في الأوساطِ السياسيّةِ أو قولها: تردّدَ في الأوساطِ الاقتصاديةِ أو قولها: من المنتظرِ قيامُ الزعيمِ كذا الخ…

كما تنشرُ الصحفُ زوايا معيّنةً فيها مثل: زوايا وخفايا وأسرارٍ وسرّي جدّا ونقاطٍ ساخنةٍ, وهذه الزوايا قد تكونُ مصدرا لاختلاقِ الإشاعاتِ.

أيضا هناك التحليلاتُ السياسيّةُ في الصحفِ والمجلّاتِ ، وبعضُ رسومِ الكاريكاتيرِ فهناك علاقةٌ بين الرسومِ والشائعاتِ لأنّ كليهما يعبّرُ عن بعضِ المشاعرِ الانفعاليّةِ.

كذلك تشكّلُ الإذاعةُ مصدرا للشائعاتِ خاصَّةٍ تلك الإذاعات السرّية ، وللتلفازُ أيضا دورٌ في نشرِ الشائعاتِ من خلالِ شاشته ، كما لا يمكنُ إغفالُ دورِ وكالاتِ الأنباءِ العالميةِ التي تبثّ الأخبارَ والتعليقاتِ وتستطيعُ من خلالها تحويرَ الأخبارِ اليوميةِ إلى أخبارٍ مستقبليةٍ تتضمنُ الكثيرَ من المفرداتِ التي تحملُ سمات الشائعةِ ، أو أن تقومَ الوكالاتُ بالتعتيمِ على الأخبارِ عن قصدٍ ، بإبرازِ نصفِ الحقيقةِ ، وتركِ البابِ مفتوحا لدخولِ الشائعاتِ ومروّجيها.

وهكذا ندركُ أنّ وســـائلَ الإعـلامِ قد تكونُ مصدرا ومروّجا للشائعةِ في الوقتِ نفسه وهذا أمرٌ خطيرٌ لأنَّ وسائلَ الإعلامِ خاصّةً في عصرنا الراهنِ منتشرةٌ وواسعةُ المدِّ وتصل إلى كلِّ البقاعِ ، ومتغلغلةُ التأثيرِ في النفوسِ ، وهذا ما يؤكّدُ أهمّيةَ تأثيرِ الإعلامِ ، غير أنّ هذا لا ينفي الدورَ الإيجابي لوسائلِ الإعلامِ وشجاعته في محاربةِ الشائعة أو غيرَ الرسميِّ يواجه مسؤوليةَ التصدّي للشائعةِ ، وعلى وسائلَ الإعلامِ المختلفةِ من إذاعةٍ وتلفازٍ وصحافةٍ وكتابٍ ووكالاتِ أنباءٍ وغيرها الواجبُ الهامُّ في دحضِ الشائعاتِ التي تنتشرُ في مجتمعٍ ما.

فعلى سبيلِ المثالِ ، على الصحافةِ مسؤوليةُ التصدّي للشائعاتِ التي تتناولُ شؤونَ السياسةِ والاقتصادِ أو المجتمعِ في مجالاتِ الفنِّ والشبابِ والرياضةِ من خلالِ نشرِ التحقيقاتِ الميدانيةِ المصورةِ لنفي الشائعةِ التي أثارت البلبلةَ وشغلت الرأي العام, وعليها أن تتحرّكَ إلى موقعِ الحدثِ وتغطي كلَّ جوانبِ الخبرِ والشائعةِ بما يدحضه تماما ويفنده تفنيدا مقنعا ، وذلكَ بعرضِ الوقائعِ والأحداثِ من مصادرها الحقيقيةِ ، بالصورةِ المناسبةِ التي تقنعُ القارئ وتبدّدُ كلَّ السحبِ التي تجمّعت في ذهنه وكلَّ الحجبِ التي غطّت فكره وكلَّ التشويشِ الذي ألمَّ بعقله ، وبهذا تؤكّدُ أنّها مرآةٌ للحقيقةِ ، وناطقةٌ بالحقِّ ، وساعيةٌ وراء المصلحةِ العامَّةِ.

والصحافةُ إنْ فعلت ذلك فإنّها تؤكّدُ أنّها في خدمةِ القارئ وأنّها تعملُ على مدّهِ بالمعلومةِ الصحيحةِ ناشرةً لواء الإبانةِ والإفصاحِ, ناطقةً بالصدقِ وبلسانٍ غير كذوبٍ ، وهذا الأمرُ يجعلُ القارئ يحترمُ صحافته ويؤكّدُ مصداقيّتها لديه وسيكونُ لمثل هذا العملِ الإيجابي ما بعده في مستقبلِ الأيامِ التي هي حبلى بالأحداثِ ، والملاحظُ أنّ الصحفَ تكتسبُ احترامها من مصداقيتها ، ولذلك فإنّ الشائعةَ القادمةَ ، ستجدُ النفيَ المصدّقَ ، إذا كانت الصحافةُ ذات مصداقيةٍ عند القراء أو كانت “جهينة” الذي عنده الخبرُ اليقينُ لا الخبرُ المكذوبُ.

إنّ رأسمال الصحافةِ هو صدقُها ، ولذلك فإنَّ دورَها هامٌّ وضروريٌّ وناجزٌّ وناجحٌ ومطلوبٌ في التصدّي للشائعةِ ، أمّا إذا كانت الصحافةُ لا تملكُ الحيويةَ والرغبةَ الصادقةَ ولا تتحرّكُ لمواقعِ الشائعةِ لكشفِ خطئها وشدّةِ ضررها وبشاعةِ تأثيرها ولا تملكُ الأدواتِ والوسائلَ التحريريةَ والفنيةَ أو المبادرةَ والمبادأةَ بالتصدّي للشائعاتِ فإنّها تصبحُ صحافةً باهتةً لا تملكُ أيّ مؤهلاتٍ لكسبِ ثقةِ الناسِ أو تنويرهم في الإعلامِ والتوجيهِ وتحرّي المصداقيةِ من الأحداثِ.

كما أنّ هناك صحافةَ تلعبُ الدورَ النقيضَ وهي صحافةُ الإثارةِ التي تعيشُ على نشرِ الشائعاتِ والأخبارِ المختلفةِ والوقائعِ الملفّقةِ ، ومثل هذه الصحافةِ ضارّةٌ ومخربةٌ وغيرُ جديرةٍ بأنْ تكونَ في الساحةِ الإعلاميةِ ، فهي مثل مصدرِ الشائعةِ تعاني من خللٍ نفسيٍّ واضطرابٍ مسلكيٍّ وفشلٍ مهنيٍّ, فرسالةُ الصحافةِ رسالةٌ ساميةُ – أو هكذا يجبُ أن تكون -.

إنّ أهمّيةَ الصحافةِ تنبعُ من أنّها اتّصالٌ يوميٌّ ومباشرٌ بالناسِ ، وهو اتّصالٌ هدفه الرئيسي نقلُ الخبرِ والرأي والتحليلِ والصورةِ ، وعبر هذه الوسيلةِ الهامّةِ سواء كانت يوميةً أو أسبوعيةً أو حتَّى دورية يقوّى الاتصالُ إلى درجةٍ تصبحُ ذات تأثيرٍ كبيرٍ في الرأي العام ، لذلك فإنّ دورها في محاربةِ الشائعةِ هامٌّ وحيويٌّ وضروريٌّ – كما أشرنا -.

إنّ الصحافةَ كغيرها من وسائلِ الإعلامِ تلعبُ دورا مقدّرا في مهمّةِ التوجيهِ والإعلامِ وتكوينِ المواقفِ والاتّجاهاتِ لدى الناسِ ، وإنّ توجيهَ المجتمعِ إلى الصوابِ هو دورُ الصحافةِ مع وسائلِ الإعلامِ الأخرى ومسؤوليتها التي يجبُ أن تقومَ بها, ولا شكَّ أنَّ دورها في محاربةِ الشائعةِ بكتابةِ المعلومةِ الصحيحةِ ونشرِ الخبرِ الأكيدِ وعرضِ التحليلِ الموضوعي دورٌ مستمرٌّ ومرغوبٌ ومطلوبٌ.

الإذاعةُ والتلفازُ

رغمَ أنَّ الصحافةَ وسيلةُ إعلامٍ فعاّلةٍ إلى درجةِ أنّها تعتبرُ وسيلةً رئيسيةً لدى المجتمعاتِ الحديثةِ ، إلا أنَّها في بعضِ المجتمعاتِ الناميةِ والمتخلفةِ تترك مكانها لوسائلَ إعلاميةٍ تقنيةٍ حديثةٍ أيضا هي الإذاعة والتلفاز وغيرهما ، وسببُ ذلك عائدٌ إلى أن الصحافةَ تفترضُ وجودَ مستوى ثقافي معيّنٍ لدى جمهورِ القراءِ ، أمّا الإذاعةُ والتلفازُ فوسائلُ سمعيةٌ وبصريةٌ بإمكانها التوجه إلى جمهورٍ واسعٍ ليس مهمّا إذا كان يعرفُ القراءةَ والكتابةَ أم لا ، هذا إلى جانبِ أنّهما وسيلتانِ جذّابتانِ لأنّهما وسيلتا ترفيهٍ.

ومن هنا فإنّ دورَ الإذاعةِ والتلفازِ كبيرٌ وهامٌّ في القضاءِ على الشائعةِ ، إذا وضعنا في الاعتبارِ مساحةَ انتشارِهما الواسعةَ وديناميكيةَ الاستفادةِ منهما على مدارِ ساعاتِ البثِّ ، فيمكنُ في حالِ انتشارِ شائعةٍ ما تتناول الرجلَ الأوَّلَ في البلادِ مثلا أو حدوث كارثةٍ في بلدةٍ ما أو أي حدثٍ مهمٍّ قطعُ الإرسالِ وظهورُ الشخصِ محور الشائعةِ على الشاشةِ مباشرةً أو سماع صوته عبرَ أثيرِ الإذاعةِ في الوقتِ نفسه ويكون هذا قطعا لدابرِ الشائعةِ وقبرا لها في مهدها.

كما يمكنُ استضافةُ شخصياتٍ متخصِّصةٍ على الهواءِ مباشرةً تتناولُ بالشرحِ والعرضِ والتحليلِ الشائعةَ المطلوبَ نفيها للناسِ أو إجراء مقابلاتٍ حيّةٍ من موقعِ الشائعةِ تدحضُ كلُّ ما أثيرَ حولها وتخرسُ لسانَ الكذبِ وترفعُ رايةَ الحقيقةِ.

إنّ ميزةَ الإذاعةِ والتلفازِ ، إنّهما يتماشيانِ مع عصرِ السرعةِ فالإعلامُ اليوم إعلامُ عصرِ السرعةِ المذهلة الذي يغطي الأحداثَ أثناءَ وقوعها ، وينطبقُ ذلك على النقلِ الحيِّ لمبارياتِ كرةِ القدمِ والمنافساتِ الرياضيةِ بشكلٍ عامٍّ ، وعلى المؤتمراتِ الصحافيةِ وعلى البرامجِ التي تبثُّ على الهواءِ ويشاركُ فيها أناسٌ من خارجِ الاستوديو بل ومن قارّاتٍ أخرى بعيدةٍ.

وإذا أدركنا أنَّ الإذاعةَ والتلفازَ يصلانِ إلى الجماهيرِ العريضةِ إلى درجةِ القولِ بأنّهما يعملانِ على مستوى الكوكبِ الأرضي حيث أصبحت الكرةُ الأرضيةُ القريةَ الإلكترونيةَ ، وإذا أدركنا أنّنا في عصرِ السرعةِ فإنّ عاملَ السرعةِ نفسه حاسمٌ وهامٌّ في القضاءِ على الشائعةِ ، ذلكَ لأنّ الإسراعَ في الردِّ على الشائعةِ هامٌّ جدا في نفيها ، ولأنّ التباطؤَ في نفي الشائعةِ قد يعني إثباتها أو إتاحة المجالِ الزمني لها كي تمتدُّ وتنتشرُ ، وبالتالي يمتدُّ ضررها وتأثيرها السالب.

إنّ الاستفادةَ من التطوّرِ التقني في الإعلامِ وسرعته عاملٌ حاسمٌ في القضاءِ على الشائعةِ وذلك بانتهازِ الفرصةِ العاجلةِ للردِّ الحاسمِ والسريعِ على الشائعةِ ، وتأكيد الحقيقةِ وإبانة الواقعِ الفعلي للحدثِ ، فالعصرُ عصرُ السرعةِ ؛ والإعلامُ سلاحُ ذلك العصرِ ؛ والسرعةُ هي أداةُ ذلك السلاحِ وطلقته التي توجه إلى الهدفِ, لذلك فإنّ دورَ الإعلامِ وسرعةَ تفاعله وتغطيته للإحداثِ خاصّةً الإذاعة والتلفاز دورٌ كبيرٌ وذو تأثيرٍ فعال في القضاءِ على الشائعةِ.

ولا يقفُ دورُ وسائلِ الإعلامِ من صحافةٍ وإذاعةٍ وتلفازٍ وغيرها من وسائلَ مقروءةٍ أو مطبوعةٍ أو مسموعةٍ أو مرئيةٍ عند حدودِ النفي السريعِ للشائعةِ ، وإيراد البرهانِ على خطئها وتفنيدها وإثبات عدم وجودها بالصورةِ والصوتِ والكلمةِ فقط ، وإنّما هناك دورٌ وقائي لهذهِ الأجهزةِ ، ودائما الوقايةُ خيرٌ من العلاجِ.

وإذا أدركنا أنَّ الرأي العامَّ في كلَّ مجتمعٍ من المجتمعاتِ قويٌّ ، ولا يسهلُ خداعه إذا كان متعلما أو ملمّا بأطرافِ موضوعٍ ما من الموضوعاتِ التي تشغلُ بالَ الناسِ فإنَّ دورَ وسائلِ الإعـــلامِ كبيرٌ في الإقناعِ ، من خلال توضيحِ الصورةِ بكافّةِ أبعادِها ، وعدم تجاهلِ أي معلومةٍ قد يلفُّها الغموضُ ، ومن ثمَّ العملُ على ترسيـخِ المعلوماتِ الحقيقيةِ في أذهان الناس حتَّى لا ينساقوا وراء الشائعاتِ.

كما أنّ وسائلَ الإعلامِ نفسها مطالبةٌ بأن تتصدّى للشائعةِ بإهمالِها وعدم نشرها ونقلها ، وبهذا يكونُ الإعلامُ قد لعبَ دورَ الحاجزِ الذي يقفُ بين الشائعةِ والناسِ ، فهو من يعملُ على صدّها ومن يعتّمُ عليها ومن يمنعُ عنها الهواءَ الذي تتنفسُ منه فتموتُ على ألسنِ مطلقيها بدلا من أن تنطلقَ فتصيب وتؤذي.

إنّ الوقايةَ من الشائعةِ كذلك تكون في توفيرِ المعلومةِ الصحيحةِ ، ومن أهلِ الخبرةِ والاختصاصِ لأنَّ تركَ الناسِ للشائعاتِ – كما يقولون – دون الرجوعِ إلى أهلِ العلمِ والدراسةِ والخبرةِ والمسؤوليةِ فيه الكثيرُ من اللامبالاةِ وفيه الكثيرُ من إتاحةِ الفرصِ للشائعةِ كي تنتشرَ وتعمَّ.

ومن الواجبِ إقامةُ مراكزِ توعيةٍ أيام المحنِ والكوارثِ والحروبِ ، الأمرُ الذي يجعلُ الناسَ يلجأون إلى أهلِ الدرايةِ ولا يتيحُ المجالَ واسعا أمامَ الشائعاتِ التي هي في الأصلِ نتاجُ الجهلِ والتعتيمِ وصمتِ ألسنِ أصحابِ المعرفةِ عن الجهرِ بنفيها.

من هو الإعلاميُّ القادرُ على محاربةِ الشائعةِ؟

إذا كانت الشائعةُ عدوّا فلا بدَّ من وجودِ من يتصدّى لهذا العدوِّ ، وإذا كانَ الإعلامُ هو الوسيلةَ للتصدّي للشائعةِ فإنَّ رجلَ الإعلامِ هو الذي يخوضُ المعركةَ ضدَّ الشائعةِ ، فما المطلوبُ مِن يتصدّى لهذهِ المهمّةِ الصعبةِ والهامّةِ؟

إنّ رجلَ الإعلامِ المعدَّ إعدادا جيدا والمتدرّبَ تدريبا سليما والذي يمتلكُ اللباقةَ والثقافةَ والكفاءةَ المهنيةَ والمصداقيةَ عندَ الناسِ هو الذي يجبُ أن يتصدّى لهذه المهمةِ.

إنَّهُ ذلك الإعلاميُّ الذي يفهمُ عمله ويدركُ خصائصَ الوسيلةِ الإعلاميةِ التي يعملُ فيها ، ويحيطُ بالمهمّةِ التي كُلّفَ بها ، إنّه الذي يسألُ أهلَ العلمِ ، ويقرأُ الكتبَ ، ويقابلُ الناسَ ويدرسُ اهتماماتهم ، ومستوياتهم ، وبالتالي يقدِّمُ عملا مدروسا ومقنعا ومعززا بالصوتِ والصورةِ وحديثِ أهلِ الخبرةِ من السياسيين أو الاختصاصيين ، ويطرحُ كلَّ الأسئلةِ التي في الأذهانِ ، ويغطّي كلَّ جوانبِ الحدثِ أو الشخصيةِ مصدرِ الشائعةِ ، ولا يكتفي بالأمورِ التقليديةِ بل يحاولُ أن يخلّصَ المجتمعَ من الشائعاتِ وشرورها.

ومثل هذا الشخصِ يجبُ ألا يعملَ منفردا بل يجبُ أن يكونَ له أو معه فريقُ عملٍ متخصّصٍ من ذوي الاحترافِ المهني حتى يخرجَ العملُ الذي يناقشُ شائعةً ما متكاملا ، فيتناولها بالتحليل والعرض من كلّ النواحي الفنية والإبداعية ، لأن الإعلامَ يجبُ أن يكونَ في إطارٍ جذّابٍ يقنعُ بالقولِ الحقِّ وبالصورةِ الناطقةِ وبالمشهدِ المتكاملِ سواءً في الصحافةِ أو في الإذاعةِ أو التلفازِ ، ولا يقتصرُ دوره على مرحلةٍ بعينها (زمن ومكان الشائعةِ) وإنّما يكونُ دوره متّصلا ومستمرّا حتّى يصبحَ ما يقدِّمه من عملٍ رائدا ذا مصداقيةٍ ، وعملا إعلاميا متكاملا بذخيرةٍ معلوماتيةٍ رائعةٍ ومفيدةٍ ، وعملا ذا مرجعيةٍ يلجأ إليه الناسُ ويتذكرونه كلّما تناهت إلى أسماعهم شائعةٌ مغرضةٌ.

كما يقومُ أهلُ الإعلامِ باقتفاءِ أثرِ الشائعةِ لتقديمِ الدواءِ الناجعِ وللحدِّ من آثارِ الشائعاتِ التي لن تتوقفَ ما دامت الحياةُ تسيرُ بالناسِ وبأحلامِهم وبأطماعهم، وبطموحاتهم ، وبمخاوفهم ، وبآمالهم ، وبتطلعاتهم ، وبتناقضاتهم ، وبتداخل مصالحهم, وفي ظلِّ وجودِ المنافسةِ بين الأفرادِ والجماعاتِ والأممِ والشعوبِ.

ودائما الوقايةُ خيرٌ من العلاجِ, وخيرٌ وسيلةٍ لمقاومةِ الشائعةِ على مستوى الدولةِ هي تحصينُ شعبِ تلك الدولةِ عن طريقِ دعمِ إيمانه بوطنه وأهدافه ، ويجبُ أن يكون هذا الدعمُ بين كلِّ الشعوبِ، كما يجبُ توعيةُ الجماهيرِ ، وإيقاظُ الضمائرِ ، وكلُّ هذهِ الواجباتِ تقعُ مسؤوليتها على عاتقِ الإعلامِ بالتضامنِ والتعاونِ والتنسيقِ مع جهاتٍ أخرى فاعلةٍ في مجالاتِ التوجيهِ والإرشادِ والثقافةِ ، وتظهرُ هنا أهميةُ التنشئةِ والتربيةِ والتعليمِ فهذه العواملُ تعتبرُ أساسا للتنشئةِ الصالحةِ ليصبحَ كلَّ فردٍ عارفا بأمورِ وأحوالِ وطنه وعاقدا العهد على حمايته ، ومتسلّحا بالولاءِ الواعي والانتماء الصادقِ والارتباطِ الفكري المتينِ ، والمبني على الحقائقِ الناصعةِ.

كما يجبُ أن يتجاوزَ دورُ الإعلامِ الخطبَ والمساجلاتِ والأطروحاتِ الفكريةَ المحضةَ إلى توحيدِ مواقفِ الشعوبِ تجاه الشائعاتِ والعمل على رصدِ آثارها والحدِّ من أضرارها من خلالِ التنويعِ في التناولِ والتعدّدِ في أسلوبِ الطرحِ والمعالجةِ ، فيمكنُ استثمارُ أشكالِ الإعلامِ وأساليبِ الترفيهِ المختلفةِ والاستفادةِ من العروضِ المسرحيّةِ والدراميّةِ والموسيقى والأغاني والأناشيدِ الوطنيةِ فهي تؤثرُ على الناسِ وترفعُ الروحَ المعنويةَ للشعوبِ ، ويمكنُ للدراما والكوميديا أن تتناولا الشائعاتِ بطريقةٍ غير مباشرةٍ فتفندها وتدحضها ، ويضافُ إلى ذلك دورُ الإعلامِ الرئيسي في مواجهةِ الأكاذيبِ والشائعاتِ بالحقائقِ الناصعةِ التي تؤيّدها الوثائقُ والمستنداتُ وما تتضمنه الأفلامُ التسجيليةُ والوثائقيةُ.

ولكي تنجحَ وسائلُ الإعلامِ في حربِ الشائعةِ يجبُ أن تكونَ محاربةُ الشائعاتِ بالتّحصينِ الذي أشرتُ إليه من قبلُ وبالتعبئةِ النفسيةِ للجماهيرِ على أن يتمَّ كلُّ ذلك في إطارٍ من التخطيطِ الإعلامي القائمِ على البحثِ العلمي ، مع قياسِ النتائجِ وتقويمِ الآثارِ في كلِّ خطوةٍ من الخطواتِ حتّى يتمَّ العملُ في نظامٍ دقيقٍ مدروسٍ بعيدا عن الارتجالِ المربكِ.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أهميةِ الحالاتِ النفسيةِ والعاطفيةِ للمتلقّي وهنا يبرزُ دورُ الإعلامِ في محاربةِ الشائعةِ التي تستهدفُ عواطفَ الناسِ سواءً من ناحيةِ جذبهم واستقطابهم إلى فكرةٍ أو جهةٍ ما ، أو تنفيرهم وإبعادهم عنها لتجميلِ صورةٍ ما أو لتشويهِ سمعةِ بلدٍ أو جيشٍ أو زعيمٍ أو فنَّانٍ أو حتَّى شخصٍ عادي ، فالغرض في النهايةِ نفسيًّ عاطفيٌّ تدميريٌّ، ومثل هذا الجهدِ المخرّبِ لا تصدّه إلا من خلالِ محاربته بسلاحه نفسه وبأن يصلَ الإعلامُ إلى عقلِ وعاطفةِ الجمهورِ حتّى يمسحَ الصورَ المشوّهةَ التي رسّختها الشائعةُ في الأذهانِ ، وما يُرادُ لها من الثباتِ والبقاءِ والديمومةِ حتّى تصبحَ واقعا مسلَّما به وحقيقةً لا تتغيرُ ، وبديلا عن الصورةِ الحقيقيةِ التي عرفها الناسُ وترسّخت في أذهانهم.

وفي بقاءِ الصورةِ الحقيقيةِ ضررُ لأصحابِ الشائعةِ ، ولذلكَ فإنَّهم يحاولونَ تغييرها بإطلاقِ شائعاتهم حولها باستدرارِ عاطفةِ الناسِ وتشويهِ الحقائقِ في عيونهم ، أو محاولةِ رسمِ صورةٍ جديدةٍ ما هي إلا في الحقيقةِ رسمٌ مزيفٌ ومشهدٌ مصنوعٌ.

شاهد أيضاً

د. فايز أبو شمالة يكتب: من يطبخ صفقة القرن .. ومن سيأكل؟

وضعنا الشروط التعجيزية التي تحول دون موافقة أي قائد فلسطيني على الدخول في مفاوضات. الجملة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co