الإثنين , 22 أكتوبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
د. علي المؤمن - كاتب وباحث عراقي

د. علي المؤمن يكتب: الى صديقي الشيعي العلماني

لا أعتقد أنك تختلف معي في أن مقولاتك ضد المنظومة الإجتماعية الدينية الشيعية ، أو ما تغلفه أحيانا بالمصطلح الخاطيء المنحوت “الإسلام السياسي” هو تكرار لمقولات ومفاهيم متهافتة قديمة ؛ ظل يكررها أحمد كسروي وعلي الوردي وصادق جلال العظم وغيرهم من منظري مشروع (التنوير) الإجتماعي العلماني المعاصر منذ أكثر من ثمانية عقود ، ثم أسبغت عليها أدبيات الشيوعيين مسحة ايديولوجية فلسفية اجتماعية.

كما تتماهي أطروحاتك مع المشاكسات الفكرية لليسار الديني الايراني في الخمسينات والستينات والسبعينات ؛ لاسيما أفكار علي شريعتي في كتابه الرديء “التشيع العلوي والتشيع الصفوي” وغيره ، والتي تخلط بين الفقهاء ووعاظ السلاطين ، وتساوي بين عالم الدين والروزخون ، وتحمِّل الفقيه الشيعي وزر الشيخ الوهابي.

وبالرغم من أن أفكار علي شريعتي (التنويرية) الستينية والسبعينية صارت (خرده) في ايران ، وتبخرت منذ ربع قرن تقريبا ؛ ولكنك كغيرك من التنويريين الشيعة العراقيين ؛ حوّلتم هذه الأفكار الى تابوهات مقدسة ؛ ليس حباً بشريعتي ؛ ولكن بغضاً بالتيارات الدينية.

وبات هذا البغض جزءاً من أدبيات ما تسمونه “التيار المدني” أو “الدولة المدنية” أو “عقلنة الحكم” أو “فصل العقيدة عن الدولة” ، وهي صيغ بالية من النظم الفكرية العلمانية الغربية التي ترردها قواعدكم دون وعي بمفاهيمها ودون معرفة بجذورها غالباً. ولذلك فهي ليست مشكلة قواعدكم البريئة فكرياً ؛ بل مشكلتكم النفسية أنتم كمثقفين علمانيين ؛ لأنكم تعلمون جيداً أن الفلسفات الإجتماعية العلمانية لايمكن بتاتاً أن تحكم واقع البلدان الإسلامية ؛ لأنها تتناقض مع المنظومات الدينية الإجتماعية للمسلمين ، ولاسيما الشيعة.

أنت تتصور أنك من خلال الدعاية المضادة الرامية الى هدم المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية ؛ تساهم في توعية المجتمع الشيعي ، وفي إنقاذه من سطوة الفقهاء ومن يحتمي بهم من سياسيين إسلاميين ـ كما تعبر ـ ؛ ولكنك على العكس ؛ تساهم في تحفيز الآخر الطائفي ضد الشيعة ، وفي توفير المسوغات الفكرية والدعائية لتكفير الشيعة وذبحهم من الخصم التكفيري.

كما أنك تفتح الأبواب على مصراعيها لدخول التكفيريين الى بيوت الشيعة ، وتقدم لهم مادة جاهزة لضرب الشيعة في مقتل.

وأنا أعلم أنك لا تقصد كل هذا ، ولا تحمل نوايا الإضرار بمجتمعك وأبناء جلدتك ؛ لأني أعرف تاريخك وخلفيات دعواتك ؛ ولكن مآل أفكارك ودعواتك هو تكفير الشيعة وذبحهم دون أدنى شك.

أنت تتحدث عن الأمة العراقية وكأنها تعيش منعزلة في جزيرة نائية ، وأن بإمكانها رسم مصيرها لوحدها ؛ دون أية عقبات موضوعية وموانع مستحيلة ؛ كما هو الحال مع كل أمم العالم المؤثرة والمتأثرة ، ولا تضع في حسبانك (بيئة الأمة) أو (بيئة المكون الإجتماعي) وتأثيراتها وضغوطاتها ، وهذه البيئة هي (الوسط الموضوعي) الذي يعيش فيه المكون الشيعي.

وبالتالي لاعلاقة للفقهاء و(سطوتهم) بايجاد هذا الوسط ؛ بل أن الفقهاء وشيوخ العشائر وقادة الأحزاب يعيشون أيضاً تحت وطاة هذا الوسط.

وبما أن الشيعة يعيشون ـ عادة ـ وفق قوانين الفيزياء الإجتماعية (رد الفعل الإجتماعي) من جهة ، وقوانين علم النفس الإجتماعي (الموروث النفسي والعقل الجمعي) من جهة اخرى ؛ فإن ضغوطات الوسط الموضوعي التي تجر قسراً الى تطبيق هذه القوانين ؛ تزيد من لجوء الشيعة يوماً بعد آخر ـ وبقوة أكبرـ الى الكيانات الإجتماعية المحضة ، أو الإجتماعية الدينية ، أو الإجتماعية السياسية ، والتي يعتقدون أنها تحميهم ؛ كشيخ العشيرة وقائد الحزب وعالم الدين ؛ في مقابل الكيان السياسي القانوني (الدولة وسلطتها) ؛ لأن هذا الكيان كان ولا يزال على خصومة مع الشيعة ويستهدف وجودهم.

ولأنك تؤكد بأنك صادقُ في دعواتك التنويرية ، وبأن هدفك إنقاذ الوطن والمواطنين ؛ فمن الأولى أن تركز على ماكنات تفريخ الذباحين ومصانعهم الوهابية في جدة والرياض ومكة والمدينة وكابل وإسلام آباد ، وكذا التركيز على الدخان الطائفي المتصاعد من أروقة أزهر مصر ؛ بدلاً من تحذير الأمة من سطوة فقهاء النجف وقم ، ومن يحتمي بهم من أحزاب إسلامية ـ كما تقول ـ.

بل من المهم أن لا تعمم أفكارك على كل من ارتدى العمة ؛ شيعياً كان أو سنياً ، أو على كل من انتمى لتيار إسلامي.

وأخيراً ؛ ينبغي أن يكون بديهياً لديك ؛ بما أنك تؤكد على المنهج العلمي في دعواتك ؛ عدم الخلط بين وعاظ السلاطين وكهنة البلاطات ومشايخ الحكومات ؛ الذين يمثلون السطوة القاتلة التي تستهدف الدين والأمة ، وبين فقهاء النجف المسالمين الداعين الى السلام والأمان وحقن الدماء ووحدة الشعب ونبذ الطائفية والعنصرية.

شاهد أيضاً

أحمد مصطفى يكتب: موسكو .. وفاعلياتها

بسرعة – ساقوم بتسليط الضوء على حدثين مهمين كنت مدعوا لحضورهما الأول الأربعاء الموافق ١٧ …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co