الجمعة , 26 أبريل 2019
د. عمر الشريف يكتب "ابن المبارك" إمام التصوف

د. عمر الشريف يكتب “ابن المبارك” إمام التصوف

 

في العصر العباسي كان هناك رجل ينازع الخليفة الأهمية والمكانة في قلوب العامة، رجل عُرف بالكرم والشجاعة والعلم والزهد، رجل تجنب أموال السلاطين ووزرائهم، فكانت منزلته في قلوب الناس أعظم من منزلة خليفة المسلمين عندهم، إنه شيخ الإسلام عبدالله ابن المبارك. قدم الخليفة العباسي هارون الرشيد مدينة الرقة مرة، وصادف مقدم ابن المبارك إليها، فلما دخلها ابن المبارك ازدحم الناس حوله وارتفعت الغبرة، فأشرفت زوجة لهارون الرشيد من قصر هناك فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ فقيل لها: رجل من علماء خراسان قدم الرقة يقال له “عبد الله بن المبارك”،،،

 

 

فقالت المرأة: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلا بالعصا والسياط والرغبة والرهبة. ولد عبدالله بن المبارك بمدينة مرو في إقليم خراسان سنة 118هـ، لأب تركي وأم خوارزمية، حفظ القرآن وتعلم العربية ونحوها، وكان ذكياً قوي الحفظ، ذات مرة هدده أبوه بأن يحرق كتبه، فكانت إجابته: أن كتبه في صدره يحفظها. فكان طلاّباً للعلم، رحل إلى جميع الأقطار التي كانت معروفة بالنشاط العلمي في عصره، حتى أصبح أحد أئمة الإسلام المشهورين، وذات مرة جاء رجل فسأل سفيان الثوري عن مسألة، فقال له من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: وهو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم وأهل المغرب.

 

 

عُرف الإمام ابن المبارك بالكثير من الخصال الحميدة، فقال الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك: اجتمع جماعة مِثل الفضل بن موسى، ومخلد بن الحسين، فقالوا: تعالوا نعُد خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والفصاحة، والشعر، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والشجاعة، والفروسية، والقوة، وترك الكلام فيما لا يَعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.

 

 

كما عُرف بكثرة الإنفاق على الفقراء، ذات مرة جاء رجل إلى ابن المبارك فسأله أن يقضي دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل: كم الدين الذي سألته قضاءه؟ قال: سبعمائة درهم. وإذا ابن المبارك قد كتب له أن يعطيه سبعة آلاف درهم، فراجعه الوكيل، وقال: إن هذا الرجل سألك أن تقضي عليه سبعمائة درهم، وإن الغلات قد فنيت، فكتب إليه ابن المبارك: إن كانت الغلات قد فنيت، فإن العمر أيضا قد فني، فأجز له ما سبق به قلمي. كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج، اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم، فيجعلها في صندوق، ويقفل عليها ثم ينفق عليهم، ويطعمهم أطيب الطعام، وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي، وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. فيقول لكل واحد: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة ؟ فيقول: كذا وكذا،ثم يخرجهم إلى مكة، فإذا قضَوا حجهم، قال لكل واحد منهم: ما أمَرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا، فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فلا يزال ينفق عليهم حتي يعودوا إلى ديارهم، فإذا وصلوا صنع لهم طعامًا ثم جمعهم عليه، وجاء بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته.

 

وخرج عبد الله بن المبارك مرة إلى الحج فاجتاز بعض البلاد، فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته، ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأختي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقي على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال، فظلم وأخذ ماله، وقتل، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.

 

 

قال الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك حين حضرته الوفاة وأقبل نصير يقول له: يا أبا عبد الرحمن، قل لا إله إلا الله. فقال له: يا نصير قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلتها فلا تردها علي حتى تسمعني قد أحدثت بعدها كلاماً، فإنما كانوا يستحبون أن يكون آخر كلام العبد ذلك. توفي الإمام الزاهد عبدالله ابن المبارك سنة 181هـ في مدينة هيت بغرب العراق وقبره معلوم وقد زار بعض الفضلاء قبر ابن المبارك فقال: مَرَرْتُ بِقَبْرِ ابْنِ المُبَارَكِ غَدْوَةً فَأَوْسَعَنِي وَعْظًا وَلَيْسَ بِنَاطِقِ وَقَدْ كُنْتُ بِالعِلْمِ الَّذِي فِي جَوَانِحِي غَنِيًّا وَبِالشَّيْبِ الَّذِي فِي مَفَارِقِي وَلَكِنْ أَرَى الذِّكْرَى تُنَبِّهُ عَاقِلاً إِذَا هِيَ جَاءتْ مِنْ رِجَالِ الحَقَائِقِ

شاهد أيضاً

“صرخة روح” بقلم : جنان الهلالي

صرخة روح الطبيعة في هذا الكون العجيب المدهش الساحر الذي من البحار والأشجار والجبال وغيرها، …