الأربعاء , 8 أبريل 2020
د‏.‏ محمد السعيد إدريس

د. محمد السعيد إدريس يكتب: القوة والضعف فى الرهانات الأثيوبية

الأمر المؤكد أن التهرب الأثيوبى من التوقيع على مسودة الإتفاق النهائى الخاص بـ “سد النهضة” الأثيوبى الذى رعته الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولى وجاء ثمرة مفاوضات مكثفة على مدى أربعة أشهر مضت جرت فى العاصمة الأمريكية بمشاركة وزراء الخارجية والموارد المائية والخبراء واللجان الفنية فى مصر وأثيوبيا والسودان، لم يأت من فراغ، ولكنه تهرب مدروس تطور إلى تبجح متعمد بدليل اتجاه القادة الأثيوبيين إلى التصعيد فى اتجاهين؛ الأول، الإعلان عن بدء ملء خزان السد بالمياه ابتداءً من يوليو المقبل دون أى اعتبار للإتفاق الذى شاركت أثيوبيا فى إنجازه وكان من المفترض أن توقعه فى واشنطن يوم 28 فبراير الماضى كما وقعته مصر، ودون اعتبار لإتفاق إعلان المبادئ المبرم فى 23 مارس 2015 بين أثيوبيا ومصر والسودان وخاصة مادته الخامسة التى تنص على ضرورة الإتفاق على قواعد ملء وتشغيل السد قبل البدء فى الملء، أى أنها عازمة على إستكمال ما تبقى من الأعمال الإنشائية للسد والبدء فى ملء خزانه فى الوقت الذى تريده هى وبالكميات التى تريدها من المياه، ودون أية التزامات تجاه حقوق مصر المائية، ودون أى اتفاق حول ذلك مع مصر، أما الاتجاه الثانى فهو التصعيد فى التهديد لمصر سياسياً وعسكرياً على نحو ما أشرنا فى الأسبوع الماضى على لسان رئيس أركان الجيش الأثيوبى والتلميح الصحفى الأثيوبى إلى تهديد للسد العالى المصرى إذا فكرت مصر فى تهديد السد الأثيوبى، والعمل على فرض ما تراه من “حقوق سيادية” أثيوبية فى السد تعطيها الحق فى فرض حقوق سيادية موازية فى امتلاك نهر النيل الذى يقام عليه هذا السد على النحو الذى تحدث به وزير الخارجية الأثيوبى بقوله أن “الأرض أرضنا، والمياه مياهنا، والمال الذى يبنى به سد النهضة مالنا، ولا قوة يمكنها منعنا من بنائه”.

هذا التبجح الأثيوبى مفعم بالكثير من الدلالات التى من أبرزها أن زمن التفاوض حول حقوق مصر المائية، أى تأمين الحصة السنوية المائية التى تحصل عليها مصر وهى 55 مليار متر مكعب، ومطالب مصر بضبط عملية ملء خزان السد الأثيوبى بالمياه بما لا يؤثر على هذه الحصة وبما يتجاوب مع ظروف طارئة قد تؤثر على موارد النهر من المياه فى سنوات الجفاف، قد إنتهى، وهذه هى الرسالة التى يجب أن تعيها مصر من الآن وألا تقبل نهائياً بأى محاولة من أى طرف للدخول مجدداً فى التفاوض، فزمن التفاوض قد إنتهى بإعتراف أثيوبى بالفعل وليس فقط بالقول، وأن الحد الأدنى من الحقوق التى ستقبل بها مصر هو ذلك الإتفاق الذى جرى إعداده فى واشنطن بمشاركة الولايات المتحدة والبنك الدولى والذى تراه مصر “إتفاقاً متوازناً”. أما الدلالة الأهم فهى أن هذا التعنت والتبجح الأثيوبى يستند على عوامل قوة تراها أثيوبيا كفيلة بإخضاع مصر وإجبارها على القبول القسرى بما تريده، وهذا ما يجب أن تتعرف عليه مصر جيداً وتتعامل معه بالشكل المناسب الذى من شأنه أن يفسد قوة هذه العوامل. ويمكننا أن نجتهد فى حصر أبرز مصادر قوة الموقف الأثيوبى فى الآتى:

–      النجاح الفعلى فى بناء السد بموافقة مصرية وأثيوبية، أى أن السد تحول إلى “أمر واقع”، وأن هذا الواقع يستند إلى ركائز مهمة فى مقدمتها أن أثيوبيا هى “دولة المنبع” فمن أثيوبيا يستمد نهر النيل 80% من مصادره المائية، من خلال “النيل الأزرق” الذى ينبع من الهضبة الأثيوبية، وهذا ما عبر عنه وزير الخارجية الأثيوبى بالقول “الأرض .. أرضنا.. والمياه.. مياهنا، والسد.. سدنا”، هذا المنطق الأثيوبى مفعم بالمغالطات. فنهر النيل من منظور القانون الدولى يعتبر “نهراً دولياً” يمر بـ 11 دولة، ما يجعل إستغلال مياهه مشروط بمصالح باقى الدول. وقواعد إستخدام مياه الأنهار أكدتها المحاكم الدولية فى الكثير من النزاعات التى تفجرت حول تقاسم مياه الأنهار، كما أن محكمة العدل الدولية أرست مبادئ مهمة تحكم استخدام الأنهار من خلال النزاعات التى تدخلت فى حلها فى مناطق كثيرة من العالم، والعمل فى هذا الاتجاه مهمة مصرية أساسية من الآن.

–      من مصادر هذه القوة أيضاً الركون الأثيوبى إلى وجود توافقات بينها وبين معظم دول حوض نهر النيل منطلقها وضع نهاية لما تعتبره هذه الدول “تجاوزات مصرية- سودانية فى مياه النيل” باعتبار أن حصص مصر والسودان التاريخية فرضها الاستعمار البريطانى الذى كان يحكم مصر والسودان ومعظم هذه الدول، وأن إسقاط هذه الاتفاقيات التى يعتبرونها “إرثاً إستعمارياً” “مهمة تاريخية” يجب أن تجتمع عليه كل دول حوض نهر النيل .

الجولة التى قامت بها الرئيسة الأثيوبية سهدورق زودى إلى كل من كينيا وأوغندا ولقائها بالرئيسين الكينى أوهورو كينياتا والأوغندى يورى موسيفينى عقب التمرد الأثيوبى على مشروع الاتفاق النهائى جاءت ضمن هذا المسعى الذى يستهدف خلق تكتل من دول حوض النيل ضد مصر. لذلك يجب أن تتعامل مصر بجدية وحذر مع هذا المسعى التخريبى لعلاقات مصر بدول حوض النيل خاصة فى ظل ما يمكن اعتباره تجاوباً من الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى مع الدعوة الأثيوبية بتأكيده فى لقائه مع الرئيسة الأثيوبية على “أهمية ضمان الاستخدام العادل لمياه نهر النيل، وضرورة عقد قمة أفريقية عاجلة لدول حوض النيل حتى يتمكن رؤساء الدول من إجراء نقاشات صريحة حول قضايا النيل.

–      من مصادل هذه القوة أيضاً، وربما أهمها، نجاح أثيوبيا فى عقد تحالف مصالح أثيوبى – إسرائيلى أضحى عملياً يؤسس لتحالف، أو على الأقل “شراكة ثلاثية أثيوبية- إسرائيلية- أمريكية”، وأن مصر لن تستطيع أن تعتدى على أثيوبيا فى ظل ما تفرضه هذه الشراكة من دعم وتعهدات إسرائيلية وأمريكية. مصر مطالبة أن تتعامل بجدية مع هذا الأمر مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. فالولايات المتحدة هى التى صاغت عبر وزير خزانتها مسودة الاتفاق النهائى التى رفضت أثيوبيا التوقيع عليها، وليس فى مقدور أحد أن يصدق أن أثيوبيا كان فى مقدورها أن تتجرأ وترفض الحضور للتوقيع على هذا الاتفاق لو أنها لم تحصل على “تأييد أمريكى صامت” على تمردها على الاتفاق. يفضح ذلك ما كشفت عنه زيارة مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى للعاصمة الأثيوبية قبل أسبوع واحد من موعد التوقيع على الاتفاق الذى رعته بلاده وإعلانه من هناك فى أديس أبابا أن هذا الاتفاق “لن يوقع فى موعده وربما يستغرق الأمر عدة أشهر” ما يعكس حرص أمريكى على التجاوب مع الموقف الأثيوبى. مصر مطالبة أيضاً بالتعامل مع الدعم والانحياز الإسرائيلى للموقف الأثيوبى فى ظل معلومات تتردد، مطلوب من مصر أن تتأكد من جديتها بأن “الدفاعات الجوية الإسرائيلية هى التى تتولى مهمة الدفاع عن السد الأثيوبى”.

مصر تدرك، عن يقين، وجود أطماع إسرائيلية تاريخية فى مياه نهر النيل، ومصر تدرك أيضاً أن معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية لعام 1979 تلزم إسرائيل، كما تلزم مصر، بعدم الانحياز لطرف خارجى على حساب الطرف الآخر فى هذه المعاهدة، ما يفرض على إسرائيل عدم الانحياز لأثيوبيا ضد مصر. ومصر لديها أوراق ضغط قوية فى التعامل مع إسرائيل سواء فيما يتعلق بالصراع الفلسطينى – الإسرائيلى، أو الشراكة فى مشروع منتدى غاز شرق المتوسط وغيرها، ومن الضرورى فتح كل الملفات بشفافية لأن مياه النيل بالنسبة لمصر هى مسألة “حياة أو موت”.

–      كما ترتكز أثيوبيا فى تعنتها فى التعامل مع مصر على اختراقات قامت بها فى الجبهة العربية، أى شق وحدة الموقف العربى الداعم لمصر سواء مع السودان أو مع دول خليجية شاركت فى تمويل وبناء السد وتعتقد أن لها مصالح مع أثيوبيا فى القرن الأفريقى وشرق أفريقيا أو كورقة لتطويع الموقف المصرى فى قضايا خلافية عديدة. لقد نجحت أثيوبيا مؤخراً فى الانحراف بالموقف السودانى ومصر مطالبة بمعالجة كل هذه الاختراقات وخاصة العلاقة مع السودان التى تعتبرها أثيوبيا أهم أوراق الضغط على  مصر باعتبارها الشريك الثالث فى النزاع حول السد الأثيوبى، والعمل على توحيد الصف العربى عملياً وفعلياً وليس فقط بالبيانات والشعارات التى تزيد الموقف الأثيوبى تعنتاً . وإذا كانت أثيوبيا تثق فى مصادر قوتها فعليها أن تدرك أن مصر قادرة فعلياً على تفكيك كل، أو على الأقل، أغلب مصادر تلك القوة، بل عليها أن تدرك أيضاً أن مصر تعى جيداً مصادر الضعف الأثيوبية وأنها قادرة على توظيف مصادر الضعف هذه بما يجبر المسئولين عن السياسة الأثيوبية العودة إلى موقف عاقل ورشيد، وأن مصر الحريصة على عدم الإشارة بأى شكل كان، على استخدام القوة للدفاع عن مصالحها، لديها الكثير من أوراق القوة الأخرى لتعديل الموقف الأثيوبى فى الاتجاه الصحيح.

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

شاهد أيضاً

حنان زكريا تكتبك شكراً عمال النظافة ” جيش مصر الأخضر “

    أتقدم بكل الشكر والتقدير والإحترام والإمتنان إلى عمال النظافة ” جيش مصر الأخضر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *