الأحد , 22 سبتمبر 2019
د محمد السعيد عبد المؤمن أستاذ الدراسات الإيرانية

د. محمد السعيد عبد المؤمن يكتب: ماذا تريد إيران من مصر ؟؟

سعدت كثيرا بلقاء هادئ مثمر جمعني بسعادة سفير إيران في مصر، وبسعادة المستشار السياسي والثقافي، وبسعادة القنصل العام… ما أسعدني هو موضوع الحوار، وأسلوبه، فقد كان موضوع الحوار هو تطور الخطاب السياسي الإيراني تجاه مصر، أما أسلوب الحوار فكان صريحا شفافا خاليا من التموجات الدبلوماسية.

لماذا تطور الخطاب السياسي الإيراني تجاه مصر؟.. كانت الإجابة بسيطة وواضحة… لأن إيران عرفت عن مصر كثيرا مما لم تكن تعرفه، كانت فيما قبل منصرفة إلى أساس تاريخي في العلاقات بين مصر وإيران عبر القرون، ثم اعتقدت أن شعب مصر شيعي بطبيعته، ومن ثم يقبل الثورة الإسلامية بنفس المنطلق الذي قبل به الإسلام الحنيف، واحتضانه الكثير من آل بيت النبوة والصحابة بحب وإيثار، بعدها أدركت إيران أن كيفية تصديرها للثورة الإسلامية إلى مصر لا تتناسب مع الشخصية المصرية، وأنه قد حان الوقت لفهم أعمق للشخصية المصرية، فأوفدت إلى مصر سفيرا ممثلا لها، دارسا للشخصية المصرية، لم يترك أحدا ممن يعرفون مصر والمصريين إلا جلس إليه وسأله وناقشه، ولم يترك مفكرا مصريا إلا قرأ له.

الأهم من ذلك أن له رؤية تتجاوز فكرة أن الشخصية المصرية معقدة صعبة الفهم، فهو يطرح الأسئلة التي تبدأ بأداة الاستفهام: لماذا؟ ويسعى للحصول على إجابة عنها… لماذا تغلق الحكومة المصرية كل أبواب التعامل مع إيران، في حين أن كل الحكومات حتى التي فرضت على إيران عقوبات تتعامل معها بشكل أو بآخر!.. وحتى تلك التي تشن على إيران حروبا إعلامية ونفسية وثقافية وحتى إرهابية وعسكرية!.. وهو سؤال محوري وحقيقي، لكنه يعني أنه لم يستطع أن يصل بعد إلى عمق الشخصية المصرية، لأنه لم يتوقف عند المواقف المحورية لمصر في مختلف العصور.. فعلى سبيل المثال: الفرق بين موقفها من إسرائيل عام ١٩٦٧م وموقفها منها عام ١٩٧٣م! .. موقفها بعد الانتصار على إسرائيل في الاتجاه نحو المفاوضات والسلام!.

لماذا تركز إيران على مصر؟ الإجابة لا تخفى على العالِم والعامي، والأهم أن حركة مصر تمثل ضابطا للحركة الإيرانية في المنطقة… وإن إغلاق مصر أبواب العلاقة مع إيران يمثل نوعا من العوائق أما الحركة الإيرانية… والمبرر لهذا التركيز أن العلاقات والتفاهم والتعامل بين مصر وإيران ينتج مصلحة ضرورية يحتاجها الطرفان، فضلا عن المنطقة.

ما هي أساسيات الخطاب السياسي الإيراني الجديد تجاه مصر؟.. تعاون يحقق أمرين أساسيين هما استقرار المنطقة والتنمية، ولاشك أن كلا الطرفين يحتاجان هذين الأمرين، فضلا عن دول وشعوب المنطقة… ويبدي الخطاب استعداده لقبول أية كيفية للتعاون، وأي تحديد لمجالات التعاون ترضاه مصر، ابتداء من التعاون العلمي والثقافي، مرورا بمجالات التنمية، وانتهاء بالتعاون العسكري والأمني… في إطار هذا التعاون تؤكد إيران ليس لديها أية نية للقيام بأي عمل نظري أو عملي للمساس بمصر أو الإضرار بمصالحها، فضلا عن استعدادها الكامل لإثبات حسن نيتها، وحل أية مسائل أو مشكلات معلقة أو طارئة بالكيفية التي ترتضيها مصر.

ماهي كيفية تنفيذ هذا التعاون؟.. ترى إيران ضرورة التواصل بين علماء البلدين من ناحية، وبين الخبراء والفنيين والنخبة من ناحية أخرى، سواء بتبادل الزيارات للأفراد والمواقع التي تحددها مصر، أو من خلال تبادل الأفكار والخبرات في المجالات التي تحددها مصر.

المسألة الأهم في الخطاب السياسي الإيراني تجاه مصر هو أن تدرك مصر أنه سواء قبلت التعامل مع إيران أو رفضته، فإن إيران لن تتراجع عن خططها الداخلية أو الخارجية، وستستمر فيها بناء على معتقداتها واستراتيجيتها… لكن مع التزامها بعدم الإضرار بمصر أو مصالحها الحيوية.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كيف تتلقى مصر الخطاب السياسي الإيراني تجاهها؟ وكيف ترد عليه؟ وهل يمكن أن تقوم مصر بتعديل خطابها السياسي تجاه إيران؟..

لاشك أن الإجابة على هذا السؤال تتعلق بعدد من الأمور، أولها حساب المصلحة في إطار الظروف الراهنة التي تمر بها مصر، ثانيها مدى تفهم مصر لحقيقة تغير الخطاب السياسي الإيراني تجاهها، ثالثها مدى توافر الآليات التي تمكنها من التعامل مع الخطاب الإيراني الجديد.

في النهاية أؤكد أن ما أطرحه هنا لا يمثل حديثا بلسان أي طرف إيراني أو مصري، لكنه قراءة لما دار بين متخصص مصري ومسئولين في السفارة الإيرانية بالقاهرة… وأن هذا الاستقراء ليس خطوة سلبية، فمن واجب المتخصصين أن يلقوا الأضواء على كل ما يهم بلادهم، وما يلفت نظر المسئولين والنخبة والرأي العام، فهي رسالتهم التي كلفهم الله بها… (فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) صدق الله العظيم، والدين هنا مفهمومه عام يشمل كل جوانب الحياة والناس في الدنيا والآخرة.. أما عن الدور العملي الذي يمكن أن يقوم به المتخصصون فيرجع إلى مساحة الحركة التي يعطيها أولو الأمر لهم. وفقنا ووفقهم الله لما فيه الخير، ولله عاقبة الأمور.

أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن – أستاذ الدراسات الإيرانية

شاهد أيضاً

عبدالنبي موسى: السيسي يشارك في الأمم المتحدة “74” بكلمتين كلمة مصر وكلمة الاتحاد الافريقي ويطرح قضايا هامة عربيا وافريقيا

تعليق واحد

  1. عبد الفتاح نيازي

    ما من شك أن قراءتكم كمتخصص في الشئون الإيرانية لهذا اللقاء تعد محور ارتكاز وأساسا جيدا يمكن البناء عليها إذا خلصت النوايا وتخلص الطرفان من عقد الماضي وما خلفته من حساسيات وتخوفات ضيعت عقودا كان يمكن خلالها تشكيل محور شديد الأهمية وعظيم المنفعة لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة منطقة الخليج..
    تحياتي واحترامي وتقديري لسيادتكم..