الثلاثاء , 22 مايو 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
د. ناجح إبراهيم

د. ناجح إبراهيم يكتب: على بن أبى طالب والخوارج

أوشك جيش الإمام على بن أبى طالب أن يحسم المعركة بالنصر النهائى على جيش معاوية والشام ، وحسم هذه الفتنة غير المسبوقة فى تاريخ الإسلام ، ولكن دهاء عمرو بن العاص دلّ معاوية على حيلة خطيرة فقال له: “لقد أعددت بحيلتى أمراً ادخرته لهذا اليوم ، ترفع المصاحف وتدعو إلى تحكيم القرآن ، فإن قبلوا التحكيم اختلفوا ، وإن ردوه اختلفوا أيضاً”.

كان عمرو ومعاوية يعرفان جيش الإمام جيداً وأنه يغلب عليه الفقهاء والقراء الذين يمكن أن تنطلى عليهم الحيلة المؤثرة دينياً ، كما تأثر الكثيرون من قبل برفع قميص عثمان وعليه الدماء والطواف به فى الأقاليم ، وفيه شباب متحمس ضد التحكيم سيصبح معادياً للإمام.

أدرك الإمام أنها خدعة وحذّر أتباعه منها فقال: “أنا أحق من يجيب إلى كتاب الله ، ولكنى أعرف بهم منكم ، إنها كلمة حق يراد بها باطل”.. ولكن أتباعه عارضوه ، وانخدع أكثرهم بذلك ، رغم أن الأشتر كاد أن يحسم المعركة ولكن الأتباع أجبروا الإمام على قبول التحكيم فرضى به صاغراً.

قبول التحكيم أو رفضه كان سيُحدث شرخاً فى جيش الإمام ، فبمجرد قبوله للتحكيم بدأ بعض الشباب المتحمس يخرج من جيشه ناقماً ثم مكفراً للإمام ، وبدأوا يذهبون للأقاليم يخلعون بيعته ويكفّرونه ويجمعون الأعوان ضده.

انتبه الكثيرون لذلك وهم خارجون من الجيش ، فنصحوا الإمام أن يقاتلهم قبل أن يتجمعوا ضده فى جيش لا يقدر عليه ، أبى أن يقاتلهم حتى يقاتلوه أو يحاسبهم على كلمات أو نوايا ، كان عادلاً معهم ، ومحسناً إليهم ، ولكنهم ظلموه كما ظلموا الجميع.

بعد التكفير سيأتى التفجير لا محالة ، وسيأتى الاغتيال ، هذه سنّة مطردة فى فكر التكفير.

المحن تلاحق الإمام من كل مكان ، إن رفض التحكيم غضب الفقهاء والعلماء ، وإن قبله كفّره الخوارج وحاربوه ، كُتب عليه أن يقاتل على جبهتين ، جيش معاوية بالشام وجيش الخوارج.

كان يريد عبدالله بن عباس حكماً من عنده ، ولكن أصحابه فرضوا عليه أبا موسى الأشعرى الذى خدعه عمرو بن العاص بمنتهى السهولة.

التكفيريون لا يصبرون كثيراً ، فسريعاً ما يريقون دماء الصالحين والمسلمين ، ناقش الإمام زعيمهم فهزمه بالحجة وبضربات العلم والفقه القاضية.

كانت حجة الخوارج ساذجة ، كانوا شباباً متحمسين بغير علم ولا عقل ولا خبرة حياتية ولا فهم للحياة ، هم دائماً هكذا فى كل العصور ، يتمسكون بظاهر الآيات وقشور الأقوال وينزعون الآيات والأحاديث وأقوال العلماء من سياقاتها ويمزقون النصوص تمزيقاً ، يتنكرون لأعلام الأمة بدءاً من على بن أبى طالب وحتى أصغر عالم.

صاحوا صيحتهم: «لا حكم إلا لله وإن كره المشركون».

أرسل إليهم عبدالله بن عباس ليقرع حججهم ، نازلهم فكرياً منازلة شريفة عميقة ، هزمهم فى معسكرهم وبين قادتهم هزيمة فكرية مدوية ، فعاد معه ستة آلاف منهم ، بدأت القرى والبلدان تستغيث بالإمام من ظلم وبغى الخوارج ، طالبين ألا يذهب للشام قبل أن يخلصهم من شرهم.

فقَد الإمام كل أمل فى هداية الخوارج حينما بلغه نبأ مقتل عبدالله ابن الصحابى الجليل خباب بن الأرت وزوجته ، حيث لقيهما الخوارج فى طريق سفرهما فاعتقلوهما وسألوهما عن بعض الأحاديث النبوية التى رواها والده فاختار لهم حديثاً رائعاً يدل على فقهه وهو قول النبى: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشى ، والماشى خير من الساعى» ، فسألوه عن الإمام فأثنى عليه ومدحه فقرروا قتله لأنه لم يكفره.

اختبار الناس وتصنيفهم فى حالات الصراع السياسى تكرر عبر التاريخ ، والإقبال عليهم والإدبار عنهم بناء على ذلك أو تكفيرهم وتفسيقهم بناء على ذلك ، وكل صراع سياسى أو عسكرى بين المسلمين ستخرج من خلاله طائفة تكفّر الفريقين وتستبيح دماءهم.

ما إن نطق عبدالله بمدح الإمام بما هو أهل له حتى قام هؤلاء الشباب بذبحه ، لم يفكروا لحظة فى مكانته كتابعى أو مكانة والده كصحابى ، فكر التكفير يلغى العقول ويطمس الرحمة من القلوب ، اتجهوا نحو زوجته ، ناشدتهم وهى تصرخ: «إنى حبلى فاتقوا الله فىّ» ، ولكنهم لم يرحموها ، فذبحوها وبقروا بطنها ، فالتكفيرى غليظ القلب أجوف دائماً ، لقد طهر الله الإمام من صحبتهم فخرجوا من جيشه ، وأكرمه بحربهم وإبادتهم.

لم يكد الإمام على يسمع بقتل الخوارج للناس ظلماً وبغياً ومنهم عبدالله بن خباب بن الأرت وزوجته الحامل حتى يمم بجيشه شطر النهروان فحاربهم بصدق وأباد جمعهم ، وحاز فضلاً قد بشره به رسول الله أنه سيقاتل الخوارج دون غيره من كبار الصحابة ، فى حديث طويل رائع قد رويته من قبل فى بعض مقالاتى.

هزم الخوارج وقتل قائدهم الذى بشر رسول الله الجيش الذى يقاتله ويصرعه ، ولكن المشكلة الكبرى التى واجهت الإمام على أن أتباع الخوارج وفلولهم كانت تملأ البلدان ، فقد اتفق ثلاثة منهم على قتل الإمام ومعاوية وعمرو بن العاص ، وكانوا قد كفروهم من قبل ، وجاء قرار هؤلاء الثلاثة المجرمين بعد أن تذكروا قتلى الخوارج فى نهروان ، وكان من بين هؤلاء الثلاثة عبدالرحمن بن ملجم الذى اجتمعت لديه ثلاثة دوافع مجرمة لقتل الإمام:

– أولها هوس وفساد الفكر التكفيرى الذى تجرأ ليكفر واحداً من أعظم حواريى النبى وصهره ، والذى شهد بدراً والهجرة وكل المواطن الصالحة ، وذلك دون تأنيب ضمير أو شعور بالذنب ، وهكذا الخوارج فى كل عصر ، فقد رفض الإمام أن يكفر الخوارج ولكنهم كفروه ، قال “إخواننا بغوا علينا”.

– وثانيها الثأر الأعمى المجنون لخوارج نهروان القتلى والمهزومين ، رغم أن الإمام لم يفعل معهم مثلما فعلوا بأمثال عبدالله بن خباب ، فلم يتعقب الفار أو يجهز على الجريح ولم يبدأهم بحرب.

– وثالثها تقديم دم الإمام قرباناً لعشيقة عبدالرحمن بن ملجم التى رفضت الزواج منه حتى يقتل الإمام ثأراً لذويها الذين قتلوا فى النهروان ، وأوصته أن يلتمس من الإمام غرة حتى لو قُتل بعدها.

كان ابن ملجم صاحب ضمير ميت وقلب أعمى وفكر تكفيرى ضال ، اجتمع كله فى صورة هذا الإنسان ، نظر الإمام إلى من ضربه بالسيف المسموم ثم قال لابن ملجم: «أهو أنت ، لطالما أحسنت إليك» فالتكفير فيه فظاظة وغلظة وعدم عرفان بالجميل.

– كان الإمام فى لحظات دنياه الأخيرة والموت يقترب منه فرأى الثأر فى عيون قومه وأسرته ، فحرك العدل الساكن بداخله عقله والرحمة المستقرة فى قلبه لسانه ، فإذا به يريد أن يحمى قاتله المجرم من الثأر الأعمى ، فقال: «يا بنى عبدالمطلب لا أجدكم تخوضون فى دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين ، ألا لا يقتلن أحد إلا قاتلى» وقال للحسن: إن أنا مت من ضربته هذه فاضربه ضربه بضربة ، ولا تمثل بالرجل ، وذكرهم بحديث النبى «صلى الله عليه وسلم» إياكم والمثلة ولو أنها بالكلب العقور.

لو لم تكن للتكفير سوءة سوى قتل الإمام لكفتهم عبر الزمان ، ولو لم يكن للإمام من حسنة سوى هذا العدل والإنصاف حتى وهو ينزف دماً وألماً من الخيانة والغدر لكفته أيضاً ، إنه يرحم قاتله وينصفه من نفسه ، ويحجز عن أسرة وآل قاتله الأذى والنكال ويمنع عنهم العذاب والألم.

لو لم تكن فى حياة الإمام سوى هذه اللوحة البديعة الممتزجة بألوان الرحمة والإنصاف والعدل لكفته.

يا سيدى الإمام على .. عدلت مع الخوارج فظلموك ، منعت عنهم حكم الكفر فكفروك ، لم تحاربهم فحاربوك ، لم تقتل فارهم ومدبرهم ، ولم تتعقبهم فى وقت الحرب فتعقبوك فى وقت الصلاة ، حاربت فى المواجهة فقتلوك فى الظلام غيلة وغدراً ، أحسنت إلى ابن ملجم وإليهم فأساءوا إليك ، سننت أعظم سنن العدل فى التعامل معهم فسنوا معك ومع المسلمين أسوأ سنن البغى والظلم.

آه يا إمام لقد حرموا أمة الإسلام منك ، كانوا المعول الأول لهدم الخلافة الراشدة وبداية الملك العضوض الذى ما لبث أن تحول إلى سلطنة جائرة ثم إلى حكم ديكتاتورى استبدادى مازال قائماً بين العرب حتى الآن.

هذا الحكم الديكتاتورى فى كل بلاد العرب تغذيه مجموعات التكفير والتفجير والاغتيال وتقويه ، وتشرعن بقاءه دائماً ، وتعطيه قبلات الحياة المتواصلة ، لأن الناس يخيرون دوماً بين جماعات التكفير والتفجير أو الاستبداد والديكتاتورية ، فيختارون الاستبداد دوماً ، ويقعون فى النهاية صرعى للفريقين.

لقد أعطى الخوارج قبلة الحياة لجيش الشام وساعدوه بطريق غير مباشر على النصر ، وقتلوا واحداً من أعظم حواريى النبى وأعظم علماء وفلاسفة وعباقرة الصحابة ، وهذا دأبهم ، يريدون نصر السُّنة فيذبحونها ويدمرونها ، يريدون نصرة الإسلام فيهزمونه ويصرفون الناس عنه ، يتحدثون عن الشريعة فيبتعد الناس عنها.

شاهد أيضاً

د. فايز أبو شمالة يكتب: التلميح يغني عن التوضيح

أيها العربي، إن تهت عن الطريق، والتبس عليك المشهد الفلسطيني، فدقق النظر في سلوك المخابرات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co