الإثنين , 23 يوليو 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
شريف هلالى - المحامى بالنقض والباحث الحقوقى والسياسي

شريف هلالى يكتب: مخاوف من استمرار حالة الفراغ السياسي في العراق

يثير الوضع السياسي الراهن والمتأزم في العراق عددًا من الأسئلة بشأن مدى استمرار الجمود الحالي بعد إجراء الانتخابات العراقية في مايو الماضي وإعلان نتائجها بفوز عدد من التحالفات والقوائم، أبرزها قائمة “سائرون” وزعيمها  مقتدى الصدر والحائرة على 60 مقعدا ، ومجموعة حيدر العبادي رئيس الحكومة الحالي والذي يقود ائتلاف النصر والذي يحوز على 47 مقعدا.

ويحتاج تشكيل الحكومة إلى الحصول على ثقة 160 نائبا من نواب البرلمان، وهناك كتل برلمانية أخرى أبرزها الحزب الديمقراطى الكردستانى، الذي حل بالمركز الأول بإقليم كردستان ورابعًا على مستوى العراق بعدد 25 مقعدا، وكتلة  إياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق، بالإضافة إلى كتلة هادي العامري والتي تحوز على 42 مقعدا، فهل ستتغير هذه النتائج بعد القرارات الأخيرة، خاصة أن الفرز اليدوي قد لا ينتهي قريبا؟

وما مدى التغيير الذي سيلحق بالنتائج الأخيرة؟ وهل سيحظى ذلك برضاء الكتل السياسية والتي قد يتم نزع بعض المقاعد من نتيجتها التي أعلنت أخيرا؟

وجرت الانتخابات البرلمانية العراقية في 12 أيار/مايو، بنظام التصويت الإلكتروني، وتنافس في هذه الانتخابات 23 تحالفا، و45 حزبا، 19 مرشحا مستقلا، بإجمالي 6990 مرشحا مصادقا عليهم من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

ويتكون البرلمان العراقي من 329 مقعدا بينها 9 مقاعد مخصصة للكوتا (الأقليات)، بينها 71 مقعدا للعاصمة بغداد، وتوزع المقاعد بين الرجال والنساء، بحسب الإحصائيات السكانية لمحافظات البلاد.

وفقا للتوقعات فإن المتغيرات في عملية فرز الأصوات قد تتركز في بغداد والأنبار وكركوك وصلاح الدين ” المحافظات الكردية “، وهو ما قد يؤدي إلى تغير في تسلسل بعض القوى لكنها تبقى على الخريطة السياسية الحالية والتي أسفرت عنها النتائج السابقة.

وينتقد البعض البرلمان العراقي الحالي نفسه لأنه هو الذي وافق على إنشاء المفوضية العليا للانتخابات وصادق على تسمية أعضائها والذين لم يتم اختيارهم على أساس الخبرة القانونية والاستقلال بل على أساس انتمائهم للجماعات التي رشحتهم وولائهم لها.

ويتساءل الجميع: كيف يمكن للبرلمان الحالي أن يستمر على الرغم من أن رئيسه ونائبه الأول وغالبية نوابه خسروا مقاعدهم البرلمانية في الانتخابات ؟ وهو ما يشير إلى أن ثمة مصلحة لهذا البرلمان القائم في استمرار الوضع الحالي .

ولا ينص الدستور العراقي على أي آلية لتمديد عمل البرلمان لكنه يسمح في الفترات الانتقالية بحكومة تصريف أعمال. ومع ذلك يسعى نواب في البرلمان إلى الاستعانة بالمادة 58 ثانيا من الدستور وتقول ” يتم تمديد الفصل التشريعي لدورة انعقاد مجلس النواب لما لا يزيد على 30 يوما لإنجاز المهمات التي تستدعي ذلك ، بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء ، أو رئيس مجلس النواب ، أو 50 عضوا من أعضاء المجلس “.

بينما يسعى نواب آخرون إلى تمديد عمل البرلمان لفترة أطول تصل إلى 6 أشهر عبر استصدار قرار نيابي بإعادة العد والفرز الشامل لنتائج الانتخابات.

كثيرون رفضوا التمديد، ثم جاء قرار المحكمة الاتحادية التي رفضت إلغاء الانتخابات وأقرت بإجراء عد وفرز يدويين بناء على تعديل برلماني لقانون الانتخابات، ولم تحدد المحكمة الاتحادية المدة التي ستستغرقها عملية إعادة تدقيق الانتخابات قبل أن تقوم بإعلان النتائج الأخيرة والنهائية .

ويشير الحكم إلى جعل عملية العد والفرز مقتصرة على الدوائر المطعون فيها وتصل إلى 1800 دائرة من نحو 3000 دائرة ، واجتمعت الهيئة القضائية التي تولت شئون مفوضية الانتخابات في أعقاب الحكم لتحديد آليات البدء بعملية العد والفرز اليدويين، إلا أن خبراء يؤكدون أن تلك العملية ربما تتطلب أسابيع ما لم تطعن اللوائح الانتخابية مجددا بالنتائج التي ستفرزها إعادة الفرز الجديدة والمصادقة على نتائج الفائزين، بما يطيل العملية برمتها لنحو ثلاثة أشهر.

والسؤال المهم: كيف ستتعامل الهيئة مع الحرائق التي تمت في بعض مخازن مفوضية الانتخابات في الرصافة ببغداد وبعض معدات عد الأصوات تبلغ قيمتها ملايين الدولارات وهو نموذج قابل للتكرار بغرض إفشال مهمتها ، وبالتالي تستمر الأزمة السياسية الحالية ؟

ردود أفعال القوى السياسية العراقية

اتصفت ردود أفعال القوى السياسية العراقية تجاه قرار المحكمة بالاتفاق على قرار المحكمة ومخاوف البعض منها في طول فترة العد والفرز، وتميزت ردود افعالها بالهدوء .

حيث دعا موسى الصدر زعيم تحالف سائرون القوى السياسية والتيار الصدري إلى ضبط النفس والخضوع إلى القانون  وقال الناطق السياسي باسم التيار أنه رغم عدم قناعتنا بقرار المحكمة الا ان هذا لا يعني اننا نرفض قرارتها .

ودعا الصدر «القضاء العراقي الى الالتزام بالحيادية في مسألة العد والفرز الذي يجب ان تحدد له فترة زمنية غير طويلة»، لافتا الى أنه «في حالة تأخر العد والفرز لغاية الاول من الشهر السابع من السنة الحالية فعلى الحكومة الالتزام بالقانون وألا توسع صلاحياتها والا تستغل الفراغ الدستوري الذي يعد خطرا يؤدي الى ما لا يحمد عقباه»، وعبرت كتلة سائرون عن قلقها من طول فترة العد  والفرز والفراغ الدستوري الذي صاحبها وأيضا من عمليات تزوير محتملة  خلال إجراءات الفرز . فيما ايدت كتلة ” دولة القانون” بزعامة نوري المالكي تحفظا على الإبقاء على نتائج الخارج التي اعتبرتها مزورة بنسبة كبيرة

بينما حذر الزعيم  الكردي بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني من تداعيات أزمة الانتخابات، وطالب بسرعة تشكيل حكومة على أساس التوافق الذي يخدم المصلحة العليا للعراق الموحد التعددى، وهى رؤية جيدة تجمع شمل فرقاء سياسيين، وتتحقق بنودها تباعا حال نجاح لقاءات عقدت مؤخرا بين الزعيم بارزاني وقيادات حزبه وعدد من الائتلافات والتحالفات والقوائم.

و لبى قرار المحكمة مطالب حزب بارزاني ” الديمقراطي الكردستاني ” بالإبقاء على تصويت ” البيشمركة ” وتصويت الخارج، فيما تحفظ حزب جلال طالباني ” الاتحاد الوطني الكردستاني” ، على إعادة العد والفرز اليدويين.

ويبدو أن هناك عددًا من المخاوف الأساسية للكتل الفائزة في الانتخابات الأخيرة من أبرزها:

ـ طول المدة التي قد تستغرقها فترة العد والفرز اليدوي للدوائر المحكومة ببطلانها والتي قد تصل إلى ثلاثة أشهر.

ـ بروز مخاوف من استغلال أعضاء البرلمان حالة الفراغ التشريعي ومد دورة البرلمان الحالي بأي شكل وهو ما يعني أيضا تعطيل نتائج الانتخابات بما سيشعر به الفائزون بغبن سياسي من جراء ذلك ، وتعمد لعدم قبول تلك الانتخابات لمصالح سياسية .

ـ أحد المخاوف الكبرى أن ينفذ صبر طرف أو أطراف من طول هذه الإجراءات ويلجأ لإستخدام حشد الشارع ضد استمرار حالة الفراغ السياسي أو استخدام العنف من جماعات سياسية معينة لحسم الأمر بما قد يؤدي لصراع سياسي وحزبي مستمر.

وفي حالة استمرار الفراغ السياسي الحالي طويلا قد ينفتح معه الباب لاحتمالات عدة ، من بينها ما قد يؤدي إلى تفجير الوضع السياسي بين الفرقاء والكتل السياسية المختلفة .

وهو ما يستدعي اتفاق الكتل السياسية العراقية على خريطة طريق يتم فيها الانتهاء سريعا من العد والفرز اليدوي ، والتوافق حول التغييرات التي قد تحدث لاحقا في النتائج المعلنة ، والاستمرار في التوافق السياسي لتشكيل الحكومة بما قد يمثل كل الطيف السياسي العراقي الحالي .

نتمناه عراقًا كما يتمناه أبناؤه .. تعدديًا ديمقراطيًا موحدًا.

شاهد أيضاً

شريف هلالى يكتب: قانون الجنسية مقابل الوديعة.. مضمونه وآثاره القانونية والسياسية

وافق مجلس النواب في جلسته العامة بتاريخ 16يوليو الماضي بشكل نهائي على مشروع قانون مقدم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co