السبت , 4 يوليو 2020
عبد العليم شداد - كاتب سوداني

عبد العليم شداد يكتب: نظرية قيءُ الزنابير

تخيل ان زوجتك هي المرأة الوحيدة الموجودة في هذا العالم , وتخيلي انه لا توجد امرأة اخرى في هذه الحياة غيرك , هل تخيلتم مقدار السعادة والطمأنينة والاستقرار الذي سوف تنعمون به, حيث لا مقارنات ولا تطلع لما هو افضل , فمهما كنت جميلة وذكية وظريفة فهناك من هي اجمل و أذكا واظرف منك , ولكن لو كنت الوحيدة فستكونين فريدة ودائما جديدة وسترتفع قيمتك عند زوجك وامام نفسك و ستنمو فيك الجوانب الايجابية فترتقى الاسرة كلها في مدارج الرقي والعفة والكمال , ولكن هل من الممكن ان يتحقق هذا في واقع الحياة ؟ نعم فهذا هو النظام الاجتماعي في الاسلام الذي يأمر المرأة بان (تختفي) عن نظر الرجال.

في كل عام تفوز امرأة واحدة في المسابقة السنوية التي تجري لاختيار ملكة جمال للعالم ولكي تفوز الفائزة بهذا اللقب يلزمها ان تستوفى المعايير المطلوبة والتي تشمل الذكاء ,سرعة البديهة, الكاريزما والثقة بالنفس وغيرها ولكن بلا شك فان الجمال هو الصفة الاهم وله معايير محددة مثل الطول وتناسق اعضاء الجسم وصفاء البشرة  والشعر الخ , ولفحص ذلك وتقييمه يجب علي المتسابقة  ان تقف امام الحكام شبه عارية !!… لماذا ؟ لان الملابس في نفسها زينة يمكن ان تخدع الناظر فهي تخفي عيوب الجسد وتزينه فتجعل الجسد القبيح يبدوا جميلا , والحقيقة ان معظم الاجساد العارية قبيحة المنظر سؤا ان كانت لنساء او رجال, ويزداد قبحها مع تقدم العمر وحين يختل تناسق اعضاء الجسم بسبب تراكم الشحوم في أجزاء الجسم المختلفة. ولأن المقارنة صفة من صفات الانسان ولو لاها لما وجدت اشعار الشعراء وادوات التجميل وحتي يتم تحديد الجميل عن غيره لا بد من ان تتم مقارنته بما هو غير جميل او بما هو اقل جمالا منه , والمقارنة  من طبيعة  الانسان فأنت لا اراديا تقارن ما عندك بما عند الاخرين,  فتقارن بلدك ببلدانهم وبيتك ببيوتهم ولكن عندما تقارن زوجتك شعوريا او لا شعوريا بالأخرين  فان هذا ينعكس مباشرة على صفاء ونقاء الجو الاسري, وعندها ستكون المرأة هي اول الضحايا لأنها عمود الاسرة وزينتها وريحانتها وضررها هو ضرر مباشر لمركز الاسرة النابض بالحياة , ولهذا فان اي امرأة تظهر للرجال هي مشروع مقارنة ربما يكون سببا لخراب اسرة اخرى , فمجرد النظر قد يسبب الأسى والاحباط لرب أسرة اخري وربما يجعله يشعر بسوء اختياره فينعكس ذلك علي جو السلام داخل بيته, وهذا ما نلاحظه في مجتمعنا اليوم وانا على ثقة بان اكثر من سبعين في المائة من الرجال لا يشعرون بالرضاء تجاه زوجاتهم ويظنون انهم لم يختاروا الاختيار الصحيح نتيجة لمقارنتهن مع الاخريات وصار البحث عن الجمال هوسا عند النساء في جميع انحاء العالم وأصبحت نفقات مستحضرات التجميل وعمليات التجميل الجراحية تزاحم نفقات الأسرة الضرورية (حسب موقع CNN  ان قيمة صناعة التجميل العالمية في عام 2018 كانت اكثر من 300 مليار دولار, وفي العام 2018 تم اجراء اكثر من 17 مليون عملية تجميل في الولايات المتحدة الامريكية لوحدها حسبما افاد به أعضاء الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل ASPS), ومع هذا لم تتحقق السعادة الأسرية المطلوبة ولذلك عمل الاسلام علي حماية اي امرأة من بقية النساء وعمل على حماية بقية النساء منها , فالمرأة التي تمنع الرجال من رؤيتها تحافظ على استقرار اسرة اخرى قد لا تعلم عنها شيئا والتي تظهر نفسها تساهم في بؤس اسرة اخرى قد لا تعلم عنها شيئا , ولو اخفت جميع النساء انفسهن لساهمن في استقرار المجتمع وكن هن اول المستفيدات ولا ينفع قول امرأة عن نفسها انها جميلة او قبيحة فمهما كانت جميلة فهناك من هي اجمل منها ومهما كانت قبيحة فهناك من هي اقبح منها.

وأيضا فان الاسلام قد منع العمل والدراسة المشتركة بين الرجال والنساء (الاختلاط), فالزملاء في مكان العمل تكون عوامل التقارب بينهم اكبر فمواضيع العمل دائمة التجدد وتفتح ابوابا مستمرة للحديث والنقاش بعكس المواضيع داخل المنزل التي يغلب عليها التكرار والرتابة , فيجد الرجل الذي يعمل مع نساء انهن اقرب اليه في اسلوب التفكير والنقاش فهموم العمل ومشاكله تسبب التقارب بين الزملاء فتحدث المقارنة اراديا او لا اراديا بين زميلاته في العمل وزوجته , فيكون ناتج ذلك احباطا معنويا كبيرا قد ينعكس على الاسرة ولهذا فقد حرم الاسلام اختلاط الرجال بالنساء سؤا ان كان ذلك في مكان العمل او الدراسة او غيرها بل حتى بيوت الله تعالي كما هو معلوم لا يجوز فيها الاختلاط وليس هذا للمتزوجين فقط, بل لجميع البالغين فالطالب الذي يدرس مع النساء ستظل تطارده حتي بعد زواجه صور زميلاته السابقات بجمالهن وذكائهن وظرافتهن , والمعادلة الذهبية تقول علاقات اكثر قبل الزواج احتمال سعادة اسرية اقل بعد الزواج , والرجل الذي يعمل مع نساء جميلات ولطيفات فهو يعرض اسرته لخطر كبير. 

لم يمنع الاسلام المرأة من اظهار نفسها فقط في المجتمع المسلم , بل منع الرجال من النظر لصور النساء في المجلات ووسائل التقنية الحديثة والتي لا يقل تأثيرها عن تأثير النظر للنساء على الطبيعة , وكثرة النظر للصور المثيرة يرفع من معدل هرمونات التكاثر في الدم فيفقد الانسان السيطرة على نفسه وعندها يمكن ان يصدر منه ما لا يخطر على بال.

ان النظام الاجتماعي في الاسلام قد جعل للمرأة مكانة عظيمة فقد الزم ابنائها بإعطائها الاولوية في الرعاية وحسن الصحبة ومنع زوجها من النظر لغيرها من النساء , والزم اقربائها برعايتها في حال وفاة زوجها , فهي دائما معززة مكرمة في غنى عن الذل والاذى الذي قد يصيبها في حال الخروج للبحث عن لقمة العيش , ومع ذلك جعل لها نصيبا من الميراث مع ملاحظة ان قوانين الميراث في كثير من الدول المتحضرة حول العالم تجعله من نصيب الابن الاكبر فقط , كما وصى الاسلام على لسان رسول الله بالنساء بقوله ( استوصوا بالنساء خيرا ) وقوله ( اكرموا النساء فما اكرمهن الاء كريم وما اهانهن الا لئيم ) وقوله ( خياركم خيارهم لنسائهم ) وقد ورد في الاثر ( وان يضع الرجل اللقمة في فم زوجته له صدقة).

خلاصة القول انه لا يوجد مصدر خطر على امرأة الا من امرأة اخرى ولذلك عمل الاسلام على حمايتها من النساء الاخريات وعمل على حماية الاخريات منها بان امرهن بالاستقرار في بيوتهن , واذا احتجن للخروج فباللباس المعروف  في كتب الفقه والذي عندما تلبسه المرأة لا يستطيع الناظر اليها الا ان يقول انها شيء يتحرك وليس امرأة تتحرك اذ  لا يستطيع ان يميز منها شيئا والمعروف باسم الحجاب او النقاب, ومع كونها المرأة الوحيدة في العالم التي لا يرى زوجها غيرها فمع ذلك امرها الاسلام بالاهتمام بحسن مظهرها وزينتها حفاظا على جو الهدوء والجمال داخل الاسرة, فلبس النساء للنقاب اشبه باتفاق جميع سائقي السيارات على التوقف عند الاشارة الحمراء حفاظا على سلامتهم, وهذا اتفاق بين جميع النساء على الاختفاء (هنا رب النساء وضع الاتفاق والحاكم المسلم مسؤول من تطبيقه) وان لا تظهر الواحدة منهن الاء لزوجها فتكون هي المرأة الوحيدة في الكون بالنسبة له فأينما التفت لن يجد غيرها , وحتى لو كانت هناك ثلاثا غيرها في الاسرة فمقارنتها مع الثلاثة افضل من مقارنتها بالألاف, اذن فالنقاب يشكل ركنا اساسيا من اركان النظام الاجتماعي في الاسلام , وقد كان هو اللباس المتعارف عليه في المجتمعات الاسلامية منذ فجر الاسلام وحتي وقت قريب قبل ان تبدا المجتمعات المسلمة في تبنى انظمة اخرى فاصبح النقاب مادة لمجادلات فقهية جعلته صفة للمتشددين والمتعصبين المتخلفين مع ان لا علاقة له لا بالتشدد ولا بالتعصب ولا باضطهاد المرأة , فهو جزء اصيل من نظام اجتماعي وضع لحماية الاسرة في المجتمع المسلم , كما انه لا يؤخر الزواج ولا يعجل به فقد تتزوج المنتقبة وقد لا تتزوج تماما كغيرها فالزواج امر قدري وتؤكد ذلك شواهد الحياة , فالنقاب عند المسلمين عبادة ولغير المسلمين نظام اجتماعي مثالي مفيد لهم مثلما هو مفيد للمسلمين, وله فوائد كثيرة اقلها ان لا يتعرف شخص شرير علي من تلبسه فتأمن أذاه. ذلك هو (النقاب والنظام الاجتماعي في الاسلام) والذي تناولناه بمفهوم جديد, مفهوم يجعلنا نكتشف انه شيء جميل وراق بعد ان اقنعنا اعداء الانسانية والأسرة  بانه لباس المتشددين والمتخلفين فأصبحنا نحتقره ونحتقر من يلتزمون به ويذكرنا ذلك بقول ابن الرومي الذي يوضح فيه بانه يمكن وصف نفس الشيء بطريقة تجعله جميلا او قبيحا في نظر الناس فقال متحدثا عن عسل النحل (تقولُ هذا مجاجُ النحلِ تمدحَهُ وانْ تَعِبَ قُلْتَ ذَا قيءُ الزنابيرِ ).

شاهد أيضاً

الإسلاميون… تجار الدين والديمقراطية

عندما نجحت ثورة يناير المصرية، في عام ٢٠١١، في إسقاط نظام مبارك، لم يتخيل أحد …