الخميس , 22 أغسطس 2019
الدكتور وليد العليمي الكاتب والاديب اليمني

(عسل محرم) .. قصة قصيرة بقلم الكاتب الدكتور وليد العليمي

“محرم” رجل قست عليه الدنيا ، وصارعته ، وجعلت منه رجل محارب حتى حين ،  كان بمناسبة وبدون مناسبة يردد ( لقد أشهرت الدنيا أسلحتها في وجهي ) ، لم ينل محرم قدرا ًكافياً من التعليم ، وتزوج في سن مبكر من حياته ، ورزق بأربعة ذكور ،وثلاث إناث ، كان يعمل حارسا ً في أحدى الشركات الخاصة ، ذات يوم طلب منه أحد مدرائه أن ينظف له منزله الجديد ، وبعد إنتهاء الدوام الرسمي ، تناول “محرم “غدائه في عجالة ، وأخذ معه أبنائه ” عسل ” و”كرم” ، ليساعدوه في التنظيف ، وخلال ساعات كان المنزل غاية في النظافة ، ولاكن بعد ذلك حدث حادث ، عكر صفو العمل الذي أنجزه “محرم” ، عندما قام أحد أبناء المدير بإلقاء عسل بن محرم من أعلى درجات السلم ،  فإنكسرت إحدى أسنانه الأمامية ، ولم يقصر المدير مع “محرم” وإبنه ، فقد قام بإسعاف “عسل” الي المستشفى ، وتحمل نفقات علاجه ، التي تضمنت تركيب “سن ذهب” بدل السن الذي إنكسر .

كان مرتب “محرم” لايلبي إحتياجاته ومتطلبات أسرته الكبيرة  ، حتى انه إظطر الي إخارج “عسل ”  “وكرم ” من المدرسة ، ودبرلهما عمل في إحدي ورش إصلاح السيارات ، كان محرم كل يوم ، يمضغ أوراق القات ، في إحدى غرف منزله ، برفقة مجموعة من أصدقائه ومعارفه ، كان ينفق نصف مرتبه في شراءالأوراق الخضراء ، وجزء من النصف الثاني كان ينفقه على شراء السجائر ،والشيشة ، كان هذا هو سبب إخراج “عسل” و”كرم” منالمدرسة ، فقد كان ينفق أجرهما على  شراء أوراق القات ، والسجائر ، والشيشة ، لقد زاد إستهلاكه للقات ، وزاد عدد رواد مجلسه ، وأصبح يتعاطى الأوراق الخضراء ،  ويدخن الشيشة والسجائر حتى وقت متأخر من الليل ، وبدأ يتأخرعن عمله ، ثم بعد مضى فترة وجيزة ، أصبح لايستطيع الإستيقاظ من النوم إلا في وقت الظهر ، فأنذرته الشركة على تأخره وغيابه المتكرر في بادئ الأمر ، ولاكنه لم يكترث لهذا الإنذار ، ثم أصدرت قرارا ً بفصله ، وأصبح  بلا عمل  ،ولم يبذل اي مجهود في البحث عن عمل آخر لانشغاله الدائم بمجلسه الأخضر العامر بالأصدقاء والدخان والنشوة ، وأعتمد على الأجورالضئيلة التي كان يتقاضاها “عسل” و”كرم” ، والتي  كان ينفقهما على جلسات تعاطي الأوراق الخضراء وتدخين السجائر والشيشة  ،  كان ينام في النهار ، وينشط في الليل كالخفاش .

كان كل ليلة ، بعد أن يبقى وحيدا ً في مجلسه ، بعد رحيل رواده ، يندب حظه العاثر ، ويلعن من أرشده الي طريق التعاطي والتدخين ،  ثم كان يصعد الي سطح منزله ، في الهجيع الأخيرمن الليل ، كانت المدينة نائمة ، تتدثربدثارالظلام والهدوء والصمت ، إلامن تمتمات “محرم” الغيرمفهومة ، التي كان يناجي بها نجيمات آخر الليل ، كان يبث إليها بؤسه وحزنه ، وكانت تشاركه هواجسه وأرقه ، كان عجزه يسبق قدرته ، لم يكن  يفهم بصيص النور الذي كانت ترسله اليه تلك النجيمات ، والتي كانت ترغب في أن تعلمه درسا ً في النضال وعدم الإستسلام ، فهي ترسل ضوءها الخافت كل ليلة ، لتقاوم عتمة ظلام الليل  ، ولتحارب وطأته ، ولتقاتل سطوته ،وهكذا تفعل كل ليلة ، بلا كلل أو ملل ، ولاكنه كان في عالم آخر ، عالم  فيه أبواب الأمل موصدة ، عالم صنعته نشوة الأوراق الخضراء ، وكيف سحب دخان السجائر ، وصخوراليأس والإنهزام ، وعدم الإكتراث ، والإستهتار ، واللامبالاة ، كانت نجيمات آخر الليل كل ليلة ، تحاول أن ترشده ، وتنتشله من مجاهل التيه ، وغياهب سجون الإستسلام ، ولاكنه كان قد أصبح كائن هزيل تسري في عروقه دماء خضراء ، وكائن ضعيف أشهر راية الإنهزام ، وحمل قناعات مسبقة بالإنسحاب  ، والقبول بالهزيمة ، والإنكسار .

وذات ليلة خضراء عامرة بأوراق القات الرخيصة ، وسحب دخان السجائر ،والشيشة ، عرض أحدجلساء القات على “محرم ” ، أمرا ًسيقيله من عثرته المادية ، وسيمكنه من شراء أوراق القات الباهظة الثمن ، وهو بيع كلية واحدة فقط من كلى أحد أبنائه ، وسهل جليس القات الأمر على “محرم” ، عندما قال له(  الإنسان يستطيع أن يعيش حياة طبيعية بكلية واحدة ،فلماذا لاتستفيد من كلى أبنائك ، وكل واحد منهم ،لديه كلية إحتياط ،) ولكى يقطع شك “محرم”باليقين ، قام بإجراء مكالمة هاتفية مع طبيب ، وطلب منه أن يتحدث ل”محرم ” ، الذي أكد صدق أقوال جليس القات ، ولم يوافق محرم على عرض جليسه بشكل نهائي إلا عندما أخبره أن سعر الكلية الواحدة ” عشرة ألاف دولار أمريكي” ، وفي اليوم المعلوم ، وبدون علم زوجته  ، ذهب محرم بإبنه عسل الي المستشفى ليبيع كليته ، ولاكن تأتي الرياح بمالاتشتهي السفن ،فلقد مات  “عسل” أثناءإجراءالعملية  ، وأصيب “محرم ” بجلطة ، حزنا ًعليه ، و بسبب هذه الجلطة فقد القدرة على النطق ، وأصيب بشلل في جانبه الأيمن ، لقد ترك مجلس القات مجبرا ً.

وفي غرفة وحيدة بثلاثة جدران على سطح منزله قضى أيامهيناجي نجيمات  الليل في الهجيع الأخيرمنه ،ويبث لها حزنه وألمه ، ولاكن مجلسه لم يغلق ، فقدحمل الراية من بعده إبنه  “كرم ” ، الذي سار على نهجه ، وأقتفى  أثره  ، وأستمرت  الليالي الخضراء تُقام حتى مطلع الفجر ، يملأ ساعاتها سحب أدخنة السجائر والشيشة ، لقد مات “محرم ” عندما أخبروه أن نجله  “كرم” أُلقي عليه القبض ، بعد أن توصلت التحريات الي قيامه بنبش قبر أخيه “عسل” واستخراج جثته المتعفنة ، وسرقة  “السن الذهبي” من بين أسنانه .

شاهد أيضاً

وزارة الاثار: ألوان واجهات قصر البارون إمبان اصلية

وزارة الاثار: ألوان واجهات قصر البارون إمبان اصلية