الإثنين , 15 أكتوبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
د. علي المؤمن - كاتب وباحث عراقي

علي المؤمن يكتب: إلى صديقي الشيعي العلماني

لا أعتقد أنك تختلف معي في أن مقولاتك ضد المنظومة الإجتماعية الدينية الشيعية، أو ماتغلفه أحيانا بالمصطلح الخاطئ المنحوت “الإسلام السياسي” هو تكرار لمقولات ومفاهيم متهافتة قديمة؛ ظل يكررها أحمد كسروي وعلي الوردي وصادق جلال العظم وغيرهم من منظري مشروع (التنوير) الإجتماعي العلماني المعاصر منذ أكثر من ثمانية عقود، ثم أسبغت عليها أدبيات الشيوعيين مسحة ايديولوجية فلسفية اجتماعية.

كما تتماهي أطروحاتك مع المشاكسات الفكرية لليسار الديني الايراني في الخمسينات والستينات والسبعينات؛ لاسيما أفكار علي شريعتي في كتابه الرديء “التشيع العلوي والتشيع الصفوي” وغيره، والتي تخلط بين الفقهاء ووعاظ السلاطين، وتساوي بين عالم الدين والروزخون، وتحمِّل الفقيه الشيعي وزر الشيخ الوهابي.

وبالرغم من أن أفكار علي شريعتي ( التنويرية) الستينية والسبعينية صارت (خرده) في ايران، وتبخرت منذ ربع قرن تقريبا؛ ولكنك كغيرك من التنويريين الشيعة العراقيين؛ حوّلتم هذه الأفكار الى تابوهات مقدسة؛ ليس حباً بشريعتي؛ ولكن بغضاً بالتيارات الدينية. وبات هذا البغض جزءاً من أدبيات ماتسمونه “التيار المدني” أو “الدولة المدنية” أو “عقلنة الحكم” أو “فصل العقيدة عن الدولة”، وهي صيغ بالية من النظم الفكرية العلمانية الغربية التي ترددها قواعدكم دون وعي بمفاهيمها ودون معرفة بجذورها غالباً.

ولذلك فهي ليست مشكلة قواعدكم البريئة فكرياً؛ بل مشكلتكم النفسية أنتم كمثقفين علمانيين؛ لأنكم تعلمون جيداً أن الفلسفات الإجتماعية العلمانية لايمكن بتاتاً أن تحكم واقع البلدان الإسلامية؛ لأنها تتناقض مع المنظومات الدينية الإجتماعية للمسلمين، ولاسيما الشيعة.

أنت تتصور أنك من خلال الدعاية المضادة الرامية الى هدم المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية؛ تساهم في توعية المجتمع الشيعي، وفي إنقاذه من سطوة الفقهاء ومن يحتمي بهم من سياسيين إسلاميين ـ كما تعبر ـ؛ ولكنك على العكس؛ تساهم في تحفيز الآخر الطائفي ضد الشيعة، وفي توفير المسوغات الفكرية والدعائية لتكفير الشيعة وذبحهم من الخصم التكفيري. كما أنك تفتح الأبواب على مصراعيها لدخول التكفيريين الى بيوت الشيعة، وتقدم لهم مادة جاهزة لضرب الشيعة في مقتل.

وأنا أعلم أنك لاتقصد كل هذا، ولا تحمل نوايا الإضرار بمجتمعك وأبناء جلدتك؛ لأني أعرف تاريخك وخلفيات دعواتك؛ ولكن مآل أفكارك ودعواتك هو تكفير الشيعة وذبحهم دون أدنى شك.

أنت تتحدث عن الأمة العراقية وكأنها تعيش منعزلة في جزيرة نائية، وأن بإمكانها رسم مصيرها لوحدها؛ دون أية عقبات موضوعية وموانع مستحيلة؛ كما هو الحال مع كل أمم العالم المؤثرة والمتأثرة، ولا تضع في حسبانك (بيئة الأمة) أو (بيئة المكون الإجتماعي) وتأثيراتها وضغوطاتها، وهذه البيئة هي (الوسط الموضوعي) الذي يعيش فيه المكون الشيعي.

وبالتالي لاعلاقة للفقهاء و( سطوتهم) بإيجاد هذا الوسط؛ بل أن الفقهاء وشيوخ العشائر وقادة الأحزاب يعيشون أيضاً تحت وطأة هذا الوسط. وبما أن الشيعة يعيشون ـ عادة ـ وفق قوانين الفيزياء الإجتماعية ( رد الفعل الإجتماعي) من جهة، وقوانين علم النفس الإجتماعي (الموروث النفسي والعقل الجمعي) من جهة اخرى؛ فإن ضغوطات الوسط الموضوعي التي تجر قسراً الى تطبيق هذه القوانين؛ تزيد من لجوء الشيعة يوماً بعد آخر ـ وبقوة أكبرـ الى الكيانات الإجتماعية المحضة، أو الإجتماعية الدينية، أو الإجتماعية السياسية، والتي يعتقدون أنها تحميهم؛ كشيخ العشيرة وقائد الحزب وعالم الدين؛ في مقابل الكيان السياسي القانوني ( الدولة وسلطتها)؛ لأن هذا الكيان كان ولايزال على خصومة مع الشيعة ويستهدف وجودهم.

ولأنك تؤكد بأنك صادقُ في دعواتك التنويرية، وبأن هدفك إنقاذ الوطن والمواطنين؛ فمن الأولى أن تركز على ماكنات تفريخ الذباحين ومصانعهم الوهابية في جدة والرياض ومكة والمدينة وكابل وإسلام آباد، وكذا التركيز على الدخان الطائفي المتصاعد من أروقة أزهر مصر؛ بدلاً من تحذير الأمة من سطوة فقهاء النجف وقم، ومن يحتمي بهم من أحزاب إسلامية ـ كما تقول ـ. بل من المهم أن لاتعمم أفكارك على كل من ارتدى العمة؛ شيعياً كان أو سنياً، أو على كل من انتمى لتيار إسلامي.

وأخيراً؛ ينبغي أن يكون بديهياً لديك؛ بما أنك تؤكد على المنهج العلمي في دعواتك؛ عدم الخلط بين وعاظ السلاطين وكهنة البلاطات ومشايخ الحكومات؛ الذين يمثلون السطوة القاتلة التي تستهدف الدين والأمة، وبين فقهاء النجف المسالمين الداعين الى السلام والأمان وحقن الدماء ووحدة الشعب ونبذ الطائفية والعنصرية.

شاهد أيضاً

باحثون: التراث الإسلامي والمسيحي مرا بمحطات مشرقة.. والأديان تدعو للخير والسلام لصنع مستقبل أفضل

>> شهادة من سيدة قبطية مصرية: “الإرهاب الإسلامي والتشدد الديني غير موجود في الشعب المصري” …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co