الأحد , 5 يوليو 2020
علي عويس كاتب وباحث مصري

علي عويس يكتب: عالم ما بعد الكورونا .. !!

كونوا على يقين خلال العشر سنوات القادمة بأن العالم الذى نراقبه عبر الشاشات ونتأثر بأهوائه وسياساته عبر المغامرات سيختلف تماما عما كان سائدا قبل جائحة الكورونا المروعة …

فالحدود الفاصلة لتحول الأمم والمجتمعات وإنشاء موجات مختلفة من الأحداث المنشئة للتاريخ تصنعها عاده الحروب الكبرى المحمية بالأيديولوجيات أو الأطماع وكذلك موجات الفيروسات المهلكة ..

إنها مشاهد تصر على اقتحام الحياة بمقدمات تمهد لها  فترج الوعي الإنساني بخضات عنيفة تجعله غير قادر على الاستمرار وفقا لأطروحاته السابقة التي أدت غالبا إلى الحروب من جهة أو هجوم الكائنات الخفية من جهة أخرى ….!!.

لقد كانت الحرب العالمية الأولى المقدمة الطبيعية  لترسيخ الحقبة الاستعمارية وما تبعها من أيديولوجيات اشتراكية  ساهمت في إنشاء عالم اشتراكي يتأهل  وآخر رأسمالي جشع يتبلور ..

وقد بدأ العالم حينها بناء على انقسامه الفكري والأيديولوجي الولوج  ناحية تقسيم الجغرافيا التي أصبحت مدخلا لحركات الاستعمار الكبرى حين ذهبت لابتزاز الشعوب ونهب الثروات تحت غطاء غبي لشعارات إنسانية مزيفه ..!!.

ثم تبع ذلك الحرب العالمية الثانية في النصف الأول من القرن العشرين والتي كانت بداية لحركات التحرر الوطني  ونزول بريطانيا وفرنسا من على عرش القيادة الكونية لتحل محلهما الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدولار كعملة كونيه بديلة للإسترليني .. !.

ونشط حيال ذلك الاستقطاب الدولي فيما عرف بالحرب البادرة  بين الكتلتين الغربية بقياده أمريكا والشرقية بقياده الاتحاد السوفيتي

والتي انتهت في أواخر القرن العشرين بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه  تحت أقدام النيوليبراليه الجديدة المتوحشه بكل ما تمثله من استغلال وجشع أدى في النهاية إلى انهيار المنظومة البيئية في كوكب الأرض والتي  أخذتنا في النهاية إلى ما يعانيه العالم اليوم من تغيرات مناخية واحترار وكوارث طبيعية  والتي لم يكن التسونامي الذى ضرب جنوب شرق أسيا ولا العواصف المميتة والفيضانات المهلكة إلا جانب من جوانب الخلل البيئي الذى أحدثة النظام العالمي المتحكم في كوكب الأرض بسكانها ودولها .

ليسلمنا الخلل الذي ضرب النظام البيئي اليوم إلى فيروس كورونا المستجد ..

كانت أوروبا في العصور الوسطى غارقة في ظلام الحروب الطائفية والفتن العرقية مستسلمة لما كانت تفرضه الكنيسة من أوامر وخرافات ..

حتى ضرب الشعوب الأوروبية ومعها شعوب العالم الطاعون الفاتك الذى أخذ في طريقة ثلث سكان أوروبا وملايين من سكان الأرض في مناطق أخرى حينها راحت الكنيسة تقدم للناس تفسيرا مموها للجائحة المرعبة تحكى كما يحكي مشايخنا اليوم فتقول بأن هجوم الطاعون ليس إلا نتيجة للمعاصي وأنه انتقام الرب من العصاة ..!.

وللمراقب أن يرى فعل الطاعون في المستضعفين بالأرض فقد مد قبضته على النساء والأطفال والشيوخ والمستضعفين ممن لا يملكون سبيلا ولا يعرفون مع الشر طريقا ..!!.

وهنا بدأ الوعي الأوروبي يتمدد في مواجهة الكارثة ونشطت وسائل البحث العلمي لتضع للموت الأسود حدا بالمقارعة …

هذا الموت الذى كاد أن يفرغ  كوكب الأرض من سكانه …

وبالجد والعلم انتصر البشر في نهاية الطريق رغم فداحة التكاليف  وتم ردع الطاعون ليقف الناس في مواجهة رجال الدين متسائلين … !.

هل انتصرنا على جنود الله التي أرسلها لتأديب عباده كما كانت تزعم كنيسة العصور الوسطى والتي يردد صدى صوتها اليوم مشايخ في عالمنا حيال جائحة الكورونا ..؟.

هل هزم الإنسان الرب في معركة الطاعون الذى استعملته المؤسسة الدينية وقتها لتسييل الخرافة واحكام قبضتها على الشعوب المصابة بالحيرة ..؟.

يتساءل الفلاسفة والمفكرون ومعهم المبصرين من أولى العقل ..!

لماذا يلجأ الرب إلى تحدى عبادة وإهلاكهم بمثل هذا العنف وفيهم الضعفاء والبرآء والأطفال والنساء فهل هكذا تمارس رحمته عملها …؟

وهل الحكيم يعاقب بالتحدي ..؟

هل الإنسان مواز لخالقه … حتى يلتقيان في ساحة الطاعون ومراكز البحث العلمي ..؟

وثارت هكذا تساؤلات في أوروبا العصور الوسطى لتكون البداية لإفاقة العقل الجمعي وتأسيس الواقعية الجديدة في التفكير والبحث ليعقبها عصر الاكتشافات العلمية الكاسح والنهضة الأوروبية الهادرة …

ليصبح طاعون الموت الأسود الذى وقع في النصف الأول من القرن الرابع عشر حدا فاصلا ما بين عالمين ..

عالم ما قبل الطاعون وعالم ما بعد هذا الطاعون .وهو عالم النهضة الأوروبية الحديثة والتي لا زالت امتداداتها وارتداداتها مندفعة إلى الأمام بأشكال مختلفة .

اليوم نحن حيال كورونا المستجد ..

أخطر ما فيه ليس قدرته على الفتك ولكن قدرته على الانتشار وسرعته بالاعتداء على الأقطار وانطلاقته المفزعة خلف كل حد ووضع بصمته على جباه الدول والمجتمعات ..

حتى أصبحت العولمة فكرا وممارسه على المحك  فالحدود المفتوحة تحولت إلى  أسوار شائكه ..

والأسواق الحرة أغلقت أبوابها ..

والتجمعات تحولت إلى بؤرة أوبئة ..

 وصار الإنسان يتكور على ذاته والدول تلهث خلف سبل للخلاص بلا وضوح للرؤية أو معرفه لنهاية النفق …

الكنائس والجوامع ودور العبادة باتت عاجزه عن فعل شيء فقد وصل الفيروس القاتل إلى خشب المنابر …

والتي عاد رجالها يستقون من العصور الوسطى نفس الأبجديات والحروف المحملة بالأتربة …

ليمرروا في مواجهة الجماهير نفس الصوت بحناجر تجلدهم بذات السوط معتبرين ما تعانيه البشرية اليوم تجاه جائحة الكورونا ليس إلا انتقام إلهي من البشر ..؟!

كشفت جائحة الكورونا اليوم المنظومة الدولية والتي تعرضت على يدها للاهتراء ….

فليس الاتحاد الأوروبي الذى كان قبل كورونا هو ما سيظل بعدها بكل تأكيد ..

بعدما أغلقت كل دوله حدودها في وجه الأخرى والتهت في مصيبتها بل تحولت بعض الدول كالتشييك من مساعدة جيرانها إلى نهب المعونات الدولية القادمة إلى إيطاليا  من الشرق – الصين ومصر وأفريقيا ..!!

هذا الانهيار الأخلاقي والتردي الداخلي أذاعته الصحافة الدولية عندما تحدثت عن حجز فرنسا كميات ضخمة من الأجهزة الطبية
المرسلة من الصين إلى إيطاليا ! .

وكذلك فعلت التشيك
بحسب ما نشرت صحيفة ريبابليكا الإيطالية  

يعلق الإيطاليون على هذه المواقف ويقولون

  سنتذكر ذلك ولن ننسى !.

 وقال الرئيس الصربي إن التضامن الأوربي هو حبر على ورق وكذب ! فهل يفتح هذا الباب أمام تحالفات دولية جديدة في عالم ما بعد كورونا …. سنرى ؟ .

أما أمريكا التي كانت تظن نفسها سيدة الكون .. فها هي تعاني من انهيار نظامها الصحي أمام فيروس لا يرى بالعين …

وقد بان للشعوب أن أموال ضرائبهم وإنتاج بلدانهم القومي إنما يتم استثماره في الحروب وإنتاج الأسلحة والسمسرة على الفتن بينما مشافيهم خاليه من الأسرة وأطقمهم الطبية عاجزة لندرة ما لديها من وسائل الحماية  لصالح الحروب البيولوجية والدسائس والفتن التي كانت من فعل النظام النيولييبرالي المعاصر الذى أصبح بالجشع مصدرا رئيسيا لهلاك الجنس البشري ..!.

إن الحل يكمن في إعادة النظر

لتصبح الكورونا حدا فاصلا

سيعيد التفكير جديا في ..

 منظومة التصورات والعقائد ..

النظم والسياسات ..

الولاء والتحالفات ..

إعادة ترتيب أسس جديده للتعاون ودس قانون للقيم لتنتظم به كل المسارات السياسية والأخلاقية من جديد …

تحييد دور المؤسسات الدينية ولجم ألسنتها ..

وهذا ربما يبرز الصين ومعها محيط شرقي ليتبوأ قيادة العالم خلفا لأمريكا التي أرهقته .

فالنفس الاشتراكي المبثوث في روح الأنظمة الشرقية رغم استبداديتها  يمتلك نطاقا أخلاقيا مختلفا قادرا وإن كان محدودا على إزاحة الرياح الصفراء التي هبت على العالم بقيادة رأسماليه جشعة صنعت فيه ما نراه اليوم من فتن ومحن ومظالم وأوبئة .

شاهد أيضاً

الإسلاميون… تجار الدين والديمقراطية

عندما نجحت ثورة يناير المصرية، في عام ٢٠١١، في إسقاط نظام مبارك، لم يتخيل أحد …

تعليق واحد

  1. احمد الصعيدي

    اتمني ان يعيش العالم في امن وسلام بعد الأنتهاء من الفيروس اللعين … كلام حضرتك اكثر من رائع بالتوفيق دائما استاذي العزيز