الجمعة , 29 مايو 2020

فن الحرب عند العرب المسلمين .. بقلم – محمد مهابه

أسهم العرب المسلمون إسهامًا كبيرًا في تطوير فن الحرب، وقد يكون دورهم في تطوير هذا الفن أكثر أهمية مما أحدثوه من تطور في المجالات الأخرى من أدب وعلم.

ما هو فن الحرب في المفهوم الحديث؟

فن الحرب هو مجموعة المعارف المتعلقة بالصراع المسلح الهادف لتحقيق ما عجزت الوسائل السلمية عن تحقيقه، وتقسم مجموعة هذه المعارف نظريًا إلى ثلاثة فروع: 1- الاستراتيجية، 2- فن العمليات، 3- التكتيك أو التعبئة.

1- الاستراتيجية: وهي التي تعالج أنواع العمليات الحربية وأساليبها والوسائل الضرورية لإنجاح هذه العمليات من دراسة العدو وقواته وامكاناته وتحديد اتجاه الضربة الرئيسية والضربات الثانوية ومحاور تحرك القوات ومناطق زجها في القتال وإعداد القوات المسلحة واختيار الأساليب المتوافقة مع أنواع العمليات الحربية وأشكالها، ثم تنسيق ذلك كله ووضع مخطط متكامل يحقق الهدف.

2- فن العمليات: ويعالج تحديد فكرة العملية أو العمليات، ووضع المخططات اللازمة لاستخدام القوى وحشد الإمكانات الضرورية لتنفيذ فكرة العملية، وتحديد الأساليب الخاصة باستخدام التشكيلات المقاتلة الكبرى وقيادتها، ثم تنظيم التعاون بين القوى المختلفة والأسلحة المتنوعة التي تشترك في العملية لتحقيق الهدف الاستراتيجي، سواء كان تحقيق هذا الهدف يتم على جبهة واحدة، أو على عدد من الجبهات، وعلى محور واحد من الجبهة أو عدد من المحاور.

3- التكتيك: وهو تحديد فكرة العملية وأسلوب تنظيمها وطريقة تنفيذها وفق مخطط العمليات، وتنظيم التعاون بين الأسلحة والقوى المشتركة في المعركة، ويقسم هذا الفرع بدوره إلى تكتيك عام وتكتيك خاص، ويعالج الأول لصنوف الأسلحة المختلفة بينما يعالج الثاني عمل كل سلاح من الأسلحة وكل قوة من القوى المشتركة في المعركة.

تاريخ فن الحرب

إنَّ فن الحرب المعاصر قد تطور عبر التاريخ منذ الأزمنة السحيقة، فلم يصل إلى ما انتهى إليه إلا بعد تجارب كثيرة ومريرة خاضتها الشعوب وهي تتطور صعدًا في سلم الرقي والحضارة.
وإنَّ الإدراك العميق لفن الحرب المعاصر يفرض بالضرورة دراسة قوانين تطور هذا الفن، وتتمثل هذه الدراسة تاريخ أساليب الصراع المسلح وتطورها مع الزمن.

لقد تطور فن الحرب منذ القدم وفق خط بياني متصاعد، كما تطور في الوقت ذاته في اتساعه وشموله من البسيط إلى المعقد، وتوافقت هذه التطورات مع تطور المجتمعات، فكانت ذات أبعاد مزدوجة عمودية وأفقية وذلك بسبب تزايد الأسلحة من جهة وتزايد حجم القوات المسلحة وتضاعف أعدادها من جهة أخرى، وحملت كل مرحلة من مراحل التطور في أعماقها الرواسب الإيجابية والأسس الثابتة التي انضجتها تجارب المرحلة السابقة لها.

فن الحرب عند العرب المسلمين

أسهم العرب المسلمون إسهامًا كبيرًا في تطوير فن الحرب، وقد يكون دورهم في تطوير هذا الفن أكثر أهمية مما أحدثوه من تطور في مختلف المجالات الاجتماعية من أدب وفن وعلم.

بدأت الفتوحات الإسلامية في السنة الثالثة عشرة للهجرة سنة 634م، وقبل مضي أقل من مائة سنة كانت الجيوش الإسلامية قد أزالت أكبر دولتين عرفهما العالم القديم (فارس والروم)، وكانت قوات المسلمين تنتشر من حدود فرنسا وإسبانيا غربًا إلى الصين شرقًا مع فرض السيطرة على البحر الأبيض المتوسط.

لقد خاضت القوات العربية الإسلامية سلسلة من الحروب الصعبة في ظروف غير متكافئة، ورغم ذلك استطاعت هذه القوات انتزاع النصر بعد النصر حتى أمكن لها انجاز ما حققته، وقد رافق هذه السلسلة من العمليات انتصارات ونجاحات كبيرة، كما تخللتها هزائم وانتكاسات، وكان الثمن في ذلك سيولًا من الدماء ومجموعات ضخمة من الأُضحيات والشهداء.

ولم تكن هذه العمليات عشوائية، بل كانت وفق مخططات محكمة دقيقة وضعها القادة، وقام على تنفيذها مقاتلون لم يشهد التاريخ لهم نظيرًا في صلابتهم وصمودهم وإيمانهم بالهدف الذي يقاتلون من أجله.

وكانت هذه التجارب التي خاضها العرب المسلمون وما أحدثوه من تطور مصدرًا هامًا من المصادر التي ساعدت الغرب في انطلاقته وتطوره، كما كان لها دور حاسم في تطور الشرق، رغم كل انكار لهذا الدور وما لقيه من جحود.

وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم مبدأ الحرب الشعبية في جميع حروبه وغزواته، فكان يستنفر كافة القوى ويحشد كافة الإمكانات للمعركة، وعندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة وقامت حروب الردة، عمل الخليفة أبو بكر على استنفار كل القوى التي أمكن له حشدها حتى انتهت حروب الردة بإسلام من أسلم وقتل من بقي على ارتداده، واعتمد في ذلك بالدرجة الأولى على الأنصار والمهاجرين.

ثم بدأت عمليات الفتوح على الجبهتين الشمالية والشرقية، فأرسل الخليفة أبو بكر رسالة إلى اليمن وكافة الأقاليم يستنفرهم للحرب، فكانت الدعوة للناس عامة من رجال ونساء صغارًا وكبارًا، سواء من كان قادرًا على استخدام السلاح، أو المساهمة فقط بالمجهود الحربي، إلا أنَّ عملية الاستنفار كانت طواعية وغير الزامية.

وهكذا أذن الخليفة أبو بكر باستنفار كل القوى، مستثنيًا من ذلك أهل الردة تأديبًا لهم، واشعارهم بفداحة الجرم الذي ارتكبوه، وعندما انتهى الأمر للخليفة عمر بن الخطاب سمح للمرتدين بالقتال لكنه لم يسند إليهم أدوارًا قيادية، ومن ثم استنفر عمر بن الخطاب جميع المقاتلين، وبصورة خاصة منهم الفرسان والقادرين على ممارسة أدوار قيادية، إضافة إلى ذلك تطوع عدد كبير من المسلمين، ثم انتقل بعد ذلك من الاستنفار الطوعي إلى التجنيد الالزامي، ثم أصبح نظام التطوع في الجيش والاحتراف فيه يسير جنبًا إلى جنب مع نظام التعبئة العامة.

ونتيجة لتوسع الفتوحات لا سيما أيام الأمويين، لم يعد أمر الحرب متروكًا للعرب وحدهم، بل أصبح بإمكان كل من يشهر إسلامه الاشتراك في الحرب إلى جانب المسلمين دونما تمييز، كما أصبح باستطاعة غير المسلمين أن يقاتلوا في صفوف المسلمين فتسقط عنهم الجزية، وعلى الرغم من دخول العناصر غير العربية في جيش المسلمين بأعداد كبيرة، وعل الرغم من وصول بعض هذه العناصر إلى مراكز قيادية مثل طارق بن زياد فقد استطاع الأمويون الحفاظ على التوازن في الجيش، وجعل المراكز القيادية في يد العرب المسلمين، وبقى نظام التعبئة يعتمد بالدرجة الأولى على العنصر العربي المسلم لاسيما في المعارك الحاسمة وفي الأسلحة البحرية وتنظيم الصوائف والشواتي لغزو الروم.      

شاهد أيضاً

هادي جلو مرعي يكتب: نظرية الإنسان التافه

     يمضي الإنسان الى نهايته، وزوال مجده، ويتحول الى مخلوق تافه مستسلم لماكينة الحضارة التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *