حمادة عبد الونيس الدرعمي

«كان وما زال فخرا لنا» .. بقلم حمادة عبد الونيس الدرعمي

عاشق الأندلس الدرعمي صاحب الكعب العالي فى الشعر، والقدم الراسخة في النقد، دوحة الأدب الذي امتطى صهوة العربية فكان لها فارسا مغوارا لا يشق له غبار، وعلما لا تنطفي له نار، عاصر الكبار الأوائل والسادة الفطاحل أمثال: أبي فهر والعقاد، وكان التلميذ الأثير عند الأخير، يتحدث فيملك على المستمع قلبه، ويقرأ الشعر فترى الفصاحة في أسمى معانيها وأرمى مبانيها، صوته ممزوج بعزة العرب الميامين، ونفسه السمحة تهدي طلابه العطر والياسمين، والله ما سمعت ولا رأيت أحدا مثله قارضا للشعر أو معتزا بلغته مثل هذا الرجل.. إنني أتحدث عن فخر الدار ووارث علم الكبار، كتب الشعر وفيه برع، وله تلامذة يجنون ما زرع، فيا نعم الرجل ويا نعم ما صنع إنه الهمام علامة الأدب ونابغة العرب خير من حاصر الخصوم ولأعناقهم ضرب الدكتور العلامة والحبر الفهامة أبو همام الأستاذ الدكتور/ عبد اللطيف عبد الحليم.

عاش الرجل مهموما بقضايا أمته، مشغولا بالذود عن تراثها، منافحا ومكافحا من أجل الحفاظ على ما تبقى من إرث ثقافي تليد، كان يؤمن أنه ما من شيء إلا وله أساس يقوم عليه وينبثق منه.

تصدى للأدعياء الذين يدخلون في الشعر ما ليس منه، وكلهم مجر بالخلاء لا يعرف من الشعر إلا اسمه، ولا من الأدب إلا مقالات ونقولات شائهة.

وقد بين في جل كتابته أن الشعر لا يقوم إلا على ساقين وهما الوزن والقافية، ولكنهما وحدهما لا يكفيان ليكون الكلام شعرا، فلا بد من تصوير دقيق، ولفظ رشيق، وتجربة صادقة، يقول ـ بل الله تربته مبينا أسباب تراجع الوعي الثقافي لأمتنا، وانزواء كل تليد وأصيل، وإقصاء الكبار وإخلاء الساحات والمنصات لكل دعي عيي ممن لبسوا ثيابا ليست لهم، وحملوا شهادات من أجلها أراقوا ماء وجوههم على عتبات الأسياد مقدمين بين يديها التحايا والهدايا فما إن حصلوا عليها لوثوا محياها وأكلوا بها على كل الموائد حتى تجهمت ـ: “حيث تزيا ذوو العاهات بزي الفرسان الأنجاد، وداخلوا الأذواق بما هو خذلان في ذواتهم، ومكنت لهم وسائل الإعلام لدى الناس وكلها برق خلب، كما مكن لهم أيضا كراسي التدريس في الجامعات فترى أحدهم – وهم كثر ـ يلبس ذلك الطيلسان ويكتب مذكرات مشوهة في كل فنون القول، حسب الجداول التي توزع وتجلب الربح لأصحابها، وكلها أو أغلبها خرق منتنة يلتهمها النسيان بمجرد ترك أصحابها لهذه الكراسي بالهجر أو بالمنية”.

لقد كان أبو همام بحق نسرا محلقا فى سماء الأدب، إذا امتطى صهوته حمحمت وحنت!، فكثيرا ما كان غصة في حلق الناعقين وحسكة فى جوف المتربصين، ولم يمكن ذا عنترية جوفاء وإنما كان بحرا ملما بالشعر العربي قديمه وحديثه؛ حتى إن الدكتور الطاهر مكي ـ طيب الله ثراه ـ كان يراه راوية الأدب، فكثيرا ما سأله وهم يناقشون أحد الباحثين عن بيت شعري قديم، فيرد أبو همام مثبتا له أو نافيا وجوده.

ورث الرجل عن أبي فهر- رحمة الله عليه – عمق الفكر، والقراءة النافذة إلى أصل النص،  والمنهاج الواضح غير المميع. وورث عن العقاد الموسوعية والموضوعية والنظرات الفلسفية العميقة، وقد نفث فيهما من روحه، وصب عليهما خلاصة تجاربه، فأخرج لنا علما وأدبا يبقيان ما بقي الزمان.

كان رحمه الله عمريا في الحق لا يهادن ولا يجامل لكن في غير غلظة، كثيرا ما اختلف مع زملائه وأساتيذه من أجل الحق، وكثيرا ما نزلوا على رأيه لما تبين لهم الأمر ووافقوه، وهذه مكرمة له قلما تتوافر في غيره.

ركب بحار الشعر، وكان فيه ربانا ماهرا لا يخشى منحنيات ولا دوامات، كان شعره خليليا لا يعرف العنه ولا الانكسار، قوي اللفظة عذبها، واضح الفكرة ريانها، محكما وزنا وقافية.

من دواوينه الشعرية ديوان “الخوف من المطر”، وديوان “لزوميات وقصائد أخرى”، وديوان “هدير الصمت”، وديوان “مقام المنسرح”، وديوان “أغاني العاشق الأندلسي”، وديوان “زهر النار”.

وفي الدراسات الأدبية كان صاحب الحظ الموفور تأليفا ودراسة فترك لنا كتبا قيمة في بابها منها:

المازني شاعرا

أدب ونقد

دراسات نقدية

شعراء ما بعد الديوان في ثلاثة مجلدات

كتاب في الشعر العماني المعاصر

القونت لو قانور: دراسة وترجمة

وله في الترجمة أيضا فضل لا ينكر، فقد ترجم العديد من الأعمال الأدبية منها على سبيل المثال:

ـ خاتمان من أجل سيدة مسرحية مترجمة (حازت جائزة الدولة في الترجمة الإبداعية).

ـ خمس مسرحيات أدبية

ـ مقامات ورسائل أندلسية

حقول عدن الخضراء ” مسرحية مترجمة. “ـ

ـ فصول من الأندلس في الأدب والنقد والتاريخ

تأثيرات عربية في حكايات إسبانية – دراسات في الأدب المقارن ـ

ـ قصائد من إسبانيا وأمريكا اللاتينية: مختارات ودراسات (حازت جائزة ابن تركي في ترجمة الشعر).

ومن أشهر التحقيقات التي قام بها

تحقيق كتاب “حدائق الأزاهر” لابن عاصم الغرناطي. .

بالإضافة إلى أن الرجل تتلمذ على يديه آلاف من دارسي الأدب من شتى بقاع الدنيا، وأشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه. كما كان رئيسا لقسم الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

له مئات الحلقات التلفازية التي لا يستغنى عنها باحث في الأدب، كان الرجل كبستان وارف الظلال كثير الثمار، وكأن حمدونة بنت زياد الآشورية كانت تعنيه يوم قالت:

وقانا لفحة الرمضاء واد                سقاه مضاعف الغيث العميم

حللنا دوحه فحنا علينا                   حنو المرضعات على الفطيم

وأرشفنا على ظمأ زلالا                 أرق من المدامة للنديم

يصد الشمس أنا واجهتنا                 فيحجبها ويأذن للنسيم

سلام عليكم أبا همام في الخالدين.

شاهد أيضاً

محمد شريف حسن يعتذر عن دوره في فيلم “صابر وراضي

كتبت رؤي رافت أعلن الممثل الشاب “محمد شريف حسن” إعتذاره عن دوره في فيلم “صابر …

تعليق واحد

  1. محمود الكرداوي

    الله عليك زادك الله من فضله وعلمه وفيضه
    ورحم الله شيخنا وأستاذنا وأسكنه الله خلده