الثلاثاء , 25 سبتمبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
عدنان محمد

“لا عزاء للثورة” .. قصة قصيرة بقلم الكاتب عدنان محمد

فتحت أوراقي المطوية وشرعت في الكتابة .. لم أعرف من أين أبدأ وأستهل ذكرياتي .. مضي علي الحدث سنوات عديدة .. تنصرم السنون وتنقضي وكأن شئ لم يحدث .. هل هناك فائدة من تدوين ذكرياتي ؟ .. ثنيت الأوراق سنين وشهور .. لعلي أكتب في يوما ما ولكنني كنت أؤجل كثيرا .. حتي فاض بي وطفح الكيل وقررت الكتابة  .. لا مفر من الكتابة .. فالكتابة تطاردني وتنغص علي حياتي وتمنعني من النوم والاتزان .. الآن ينسال الإلهام والوحي المقدس علي عقلي ويدق قحفة رأسي معلنا المجئ بعد طول انتظار! .. من أين أبدا ؟.

سأبدأ من بداية الأحداث فقد كنت حينها في الصف الثالث الإعدادي .. وبالطبع لم أكن أستخدم الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي بالشكل الذي أفعله الآن .. كنت أشغل وقتي بمشاهدة الأفلام وقراءة قصص أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق .. أعشق الإثارة والفانتازيا من صغري ..المهم أنني علمت من التلفاز وأصدقائي أن هناك دعوات دشنها الشباب للتظاهر في يوم الخامس والعشرين .. لم أكن لأهتم أو أبالي بتظاهر أو ثورة من أجل خلع مبارك مع أني كنت أبغضه وساخط عليه وعلي نظامه .. وأكره الحبال المعلقة في تلابيبه التي تمدح فيه لمصالح معه ! .. بالطبع نعرف أن الأغنياء خصوصا اللصوص منهم يتضررون من أي ثورة لأنها ضد مصالحهم وحتما ستزعزع وتنتقص من ثرواتهم وتدحر سرقاتهم ..

عندما جاء يوم الخامس والعشرين رأيت الشباب الثائرين علي التلفاز وقد وقفوا في الميدان يهتفون وينددون بمبارك ونظامه وسياسته .. أحسست حينها بحمية الثورة وجذوة نار الوطنية المتأصلة داخلي منذ زمن بعيد .. رحت أردد الهتافات معهم (الشعب يريد إسقاط النظام) جلجل صوتي الأجش في أنحاء حجرتي .. لم أحتمل أكثر من ذلك .. كنت علي وشك الانفجار .. فقد رضخت للكبت والقمع والقمع  أغلب حياتي في البيت وخارج البيت .. كنت أتوق إلي الحرية والتحرر من كل الأغلال التي صنعوها لي! .. فتحت مزلاج الباب بهدوء وتأن وتركته موارب لعلي أرجع بعد ملاوة قصيرة .. كانت الساعة تقريبا الثامنة مساء أو السابعة .. قابلت حينها  رجل يسكن في عمارتنا وما أن رآني حتي قال لي من فضلك اصعد الآن فالجو خطر عليك والشرطة هربت وحرقت الأقسام وأنحي هذا الرجل باللائمة علي الشعب الثائر ضد الطغيان .. أومأت برأسي مؤكدا علي كلامه الممل وقلت له محاولا الهرب بلباقة وأدب: والدي تحت في الشارع وسأذهب له لأعطيه شيئا ما.

قال لي بلكنة أب حنون: إنزل وخذ بالك من نفسك وابتعد عن المشاجرات والشوارع العمومية .. المسلحين منتشرين في أماكن كثيرة قريبة من هنا.

خرجت من  البيت وسمعت ضجيج ولغط ينتشر في كل مكان والشوارع يملؤها الأهالي .. قطعت الشوارع حتي وصلت إلي ميدان كبير قريب من بيتي ورأيت صديق لي يقول بفرحة وغبطة عامرة! .. أشعلوا النيران في قسم كذا وقسم كذا .. هرب رجال الشرطة أمام عيني وألقوا بملابسهم في الشوارع .. واختبأ بعضهم في بيوت مهجورة حتي تخمد الهوجة الجماعية ضد أفعالهم وغطرستهم .. وقد فجعت بنبأ أليم عصف بي وأضني قلبي حقا .. قال لي صديقي بصوت أسف يغلبه الأسي لقد مات صديق لنا يدعي خالد عماد أمام القسم و لم ييكن يفعل أي شئ سوي  التفرج ! .. تخيل !.

استقبلت الخبر بجلد وبصدر رحبب يصفح عن الحزن ونيران الألم .. وغلبني عقلي وتذكرت ذكرياتي معه عندما كنا نلعب سويا كرة قدم وبلياردو وذهابنا لحمام السباحة .. التبس عقلي بذكرياتي معه ولكن خضم الأحداث جعلني أسلو كل شئ و أفل  شبح الموت عن عيني وعقلي فترة سرعان معاد الشبح حاملا مع أنباء وقوع ضحايا جديدة وتحولت حياتي إلي أشباح موتي ..

استحال الحي الهادئ إلي حي يعج بالبشر في الشوارع والطرقات حي يغص بالرجال المتأهبين للولوج لأي معرجة بعزائم الرجال وجلد الأبطال .. قطعت الميدان ودلفت إلي شوارع كثيرة لأجمع أخر الأخبار وكأني مراسل صحفي لجريدة .. مدفوعا بالفضول! .. الفضول كالوحوش الضارية تأكلك إذا لم تقدم لها الطعام واللحوم! ..  الفضول يطلب منك ملء معدته المتضورة إجابات تستوفي شروطه ! ..

علمت يومها أشياء كثيرة وشاهدت بعيني كمية أسلحة لم أتوقع وجودها بهذه الكمية وبكل الأنواع والمفاجأة الكبري أني رأيت رجل يرتدي زي صعيدي يحمل أر بي جي!  في سيارة دفع رباعي من نوع جيب بل وأسلحة ألية أيضا ومسدسات ! .. ترسانة أسلحة رأيتها بعيني ولم أصدق وأيقنت أن هذا الرجل تاجر سلاح كبير أو تاجر مخدرات يدافع عن أمواله ومصالحه .. كل شئ يوحي بالغرابة لم يكن هذا هو الشعب المصري الذي عهدناه .. الشعب المذعن .. الملهي بمعاركه اليومية من أجل أكل  العيش وتربية أبناءه فقد تحمل هذا الشعب كثيرا وكابد الكثير من الظروف والصعاب وفجأة يستعيض معاركه من أجل لقمة.العيش لثورة ضد مانحي كسرات العيش والفتات! .. شعرت أن هناك يوما ما ستنقلب فيه الطاولة عليهم التاريخ المصري يقول ذلك .. ثار المصريين كثيرا وخنعوا أكثر ..  تردت أحوالهم أكثر مما قامت .. حلت عليهم النكسات وفي عزها منوا أنفسهم بإنتصار ساحق ! .

لم ينته اليوم بسرعة صعدت إلي البيت بعد أذان الفجر ولم أجد أبي .. انتظرته مع أمي وإخوتي القلقين عليه وكعادة أغلب النساء راحت أمي تتخيل سيناريوهات مفزعة لموت أمي وكلما تتخيل تهلع وتتضرع لله بأن يعيده بالسلامة .. وللأسف قطعت الدولة حينها الاتصالات والانترنت وأصبحنا في العصور الوسطي لا توجد وسيلة للإتصال والحديث! ..

جاء أبي مع شروق الشمس وتحدث كثيرا عن ما رآه واستقبلته أمي بحضن ريان وقالت له بتوسل وبصوت لاهث من القلق: أرجوك لا تتركنا وتنرل .. ملناش غيرك ! .. ولا يوجد أي وسيلة للإتصال لنطمئن عليك بها !

طمئنها أبي وتناولنا العشاء وفاض ينبوع أبي بحكايات كثيرة .. شحذ بها خيال أمي وإخوتي وكأنها قصص ألف ليلة وليلة!.

دلف أبي إلي حجرته وورائه أمي .. واستلقي كل منا علي سريره  يفكر في الغد وفي المستقبل المبهم بعد إسقاط الشرطة وهربها من كل مكان .. استيقظت من غفوتي علي صوت أختي الصغيرة وتحسست وجهي بأناملها وقالت لي بصوتها البرئ الناصع: استيقظ .. الحق .. الجيش نزل الشوارع .

انتفضت من مضجعي وتحققت من صدق خبرها

وتغيرت ملامحها فجأة وعبست ثم قالت: ما خطبك أقسم لك الجيش نزل وأبي نزل من الصباح ولم يعد .. ونحن خائفين عليه خوف عارم .. انزل .. ابحث عنه.

ارتديت ملابسي ووضعت بضع قطرات من المياه علي وجهي الشاحب من كوب بجوار السرير  و هرعت إلي الشارع بخطوات مهرولة لأتبين ما يحدث بالأسفل!.

وجدت دبابات الجيش تعبر الشارع وتقف وأحسست حينها أن الدبابات بسبطانتها كالأوتاد علي الأرض لن تبرحها وأن مصر استحالت إلي دولة عسكرية مجردة من كل مدني ! .. بدل من عسكري يحكمها ببدلة سيحكم مصر الدبابة والسلاح والبدلة الميري .. و لكن عندما رحلت عن الأرض والحي إلي مواقع أخري أحسست براحة وأطلقت تنهدات تلقي بما رأيته من عبث من الحاكم والغوغاء .. كنت ومازلت أبغض من كل قلبي الحكم العسكري والدولة العسكرية وقد قرأت كثيرا في تاريخ الانقلابات العسكرية في العالم بدءا من أوروبا لأمريكا اللاتينية لإفريقيا .. إن الحكم العسكري حقا لداء مستعصي علي الشفاء .. داء عضال مزمن .. يبتلي به الله بعض الدول عوضا عن الآخري .. والحقيقة أن الجيش ابتدع وخلق ليحمي الأرض والمدنيين ويدافع عن الوطن ضد هجمات المعتدين .. الجيش خلق ليلبث ويقبع في ثكناته منتظرا الإشارة بالتحرك ..

وبالطبع قد خاض الجيش معارك وقدم تضحيات فدائنا و اعتز بذلك و بجيش وطني ولكن من داخلي أشعر بإستهجان ونفور من مجرد الفكرة في سيطرته علي الحكم بشكل كامل وتوجيه الأوامر للشعب .. حتما سيحكم بالحديد والنار .. سيعاملون  الشعب معاملة الميري كما يقولون .. وسيوجهون له الأوامر كما يفعلون مع الجنود والظباط! ..

وليس هنا موضوعي الحديث عن الجيش والحكم.. ولكني أسرد ذكرياتي وأفكاري هل هناك فائدة ومعزي من كل ذلك بالطبع لا .. ولكني أسرد وأتكلم ويوم تحرك الجيش وخروجه من ثكناته خفت كل رعب وهلع من البلطجية وأحس الشعب بالطمأنية والامتنان لهذا الجيش المتفاني في حماية الشعب .. وبالطبع قد أدي الجيش دوره يومها ! .. قد عانينا معاناة مريرة علي مدار يوم كامل ونصف اليوم وجهز الجميع كل ما يستطيع أن يجهزه من أسلحة وعتاد ..

وفي شارعنا بالتحديد في يوم التاسع والعشرين من يناير خرج ظابط جيش ومعه وكيل نيابة حاملين المسدسات وراحوا يلوحون بها للأعلي وأطلقوا عدة طلقات نارية أحدث دويا مقلق خرج علي أثره النسوة من الشرفات يحسبن أن هناك معركة طاحنة دائرة بين البلطجية والأهالي وقد سمعت صرخات من أم صديق لي يدعي حمادة تعتقد أن هناك قتلي ومصابين ومع الأسف كأغلب الأمهات ينتابها الهلع والقلق علي ابنها حتي لا تثكله بطلقة طائشة يطلقها مجرم فاقد للوعي .. فراحت تصرخ تلك الأم منادية ابنها الوحيد حمادة واستعاضت عن الصرخات بصياح قوي وحشرجات وقالت في النهاية (الحقني يا ابني أن بموت) وسقطت فاقدة للوعي وعندما هرعت أن صديقي حمادة إلي الأعلي رأيتها تغمغم بكلام غامض وتقول في نهايته حمادة ابني! .. وأحضرنا لها كوب ماء واتصلت أنا بدكتور أعرفه يقطن عمارتنا وهرول إلينا وقاس لها الضغط والسكر وقال لحمادة (والدتك كويسة) لكني أنصحك أن تلبث بجانبها ولا تتركها حتي لا تنهار عصبيا وتسقط بعد الشر مغشيا عليها ..

تركت حمادة حينها بعد أن اطمأننت علي أمه ونزلت إلي الشارع لأتابع الأحداث وقد اتفق مجموعة من الشباب في كل حارة وزقاق أن يطلقوا صفارات بأفواههم وأيديهم إذا ما حدث هجوم من البلطجية كتنويه لتأهب للدفاع عن العرض والمال والأهل ..  عندما كنت أسأل أحدهم  في الشارع .. هل أنت مستعد للموت بكل شجاعة .. يرد المجيب علي سؤالي بكل حماسة صادقة .. بالطبع أريد الموت شهيدا .. لم يهب و يخف إلا القليلون من الجبناء المعروفون في الشارع منذ أمد بعيد .. قبعت اللجان الشعبية في أماكنها علي الشوارع العمومية تراقب و تفتش السيارات  و الأشخاص المشبوهين و تقبض علي اللصوص و تسلمهم إلي  معسكرات الجيش أو تجمعاتهم .. استمعت أو استمع الكثير منا حينها إلي الأغاني الوطنية وأغنيتين كنت أحبهم أنا وهي أغنية لو بتحب البلد دي لمطرب لا أتذكر أسمه بالتحديد حاليا وأغنية ازاي للمطرب الشهير منير وعشنا في أجواء حالمة جميلة وحلمنا بوطن آخر جميل هادئ يسكنه العدل والحرية والديموقراطية والحق .. وطن قوي ينعم فيه الفرد بالعدالة الإجتماعية وبإقتصاد قوي وفرد مثابر وعزيمة قوية لا إحباط وعزائم فاترة بائسة .. واتضح أن أحلامنا أضغاث أحلام وتخاريف ومجرد ترهات كتلك التي يلفظ بها رجل مخمور  ..

كل شئ مزيف والشهداء ذهبوا سدي وعبثا وصرنا في وطن مبهم مقفر ومتوحش الإحباط والاكتئاب والفشل صار شيئا طبيعيا مألوفا وصارت المثابرة والسعادة والاجتهاد والنجاح والكد أشياء فريدة نراها في إعلانات مدفوعة الأجر تنشر علي القنوات لتبث وتشع الأمل والتفاؤل بين جموع الشعب الموصدة بالأغلال والمكممة بكمامات يقولون لهم أن كمامات تحافظ علي صحتهم وعائلاتهم إن أرادوا  .. أصبحنا نساق كالأغنام والخراف  هم الرعاة يتحكمون في مصائرنا و يحركونا أينما شاءوا كبيادق الشطرنج! .. والراعي يلوح بالعصي المعقودة بمواجهتهم .. ينتظر الإشارة ليقرعهم بعنف وقسوة ويلقي بأجسادهم في جب عميق قاتم يملؤه الماء العطن والعفن ولا عزاء للثورة المباركة لا عزاء لأحد والآمر هم والمؤتمر نحن الشعب الخامد الراضخ له والمذعن لكل ما يقول !.

القصة من وحي خيال المؤلف وتحمل وجهة نظره ولا مسئولية على الجريدة في ذلك

شاهد أيضاً

الأديب مجدي حليم: مشاركة مصر في مؤتمر “قراءات” بكازاخستان استقبلت بحفاوة وتقدير غير عادي

كتب – محمود سعد دياب: قال الكاتب والأديب مجدي حليم المصري، ممثل مصر في مؤتمر …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co