الأحد , 22 أكتوبر 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

محمود على يكتب: “الدعوة السلفية” من عتمة الشوارع الخلفية إلى شمس “ميدان التحرير”

فى مؤتمر «التحولات السلفية الدلالات، التداعيات والآفاق» الذى عُقد بالعاصمة الأردنية (عمَّان) فى الأول من يوليو 2013 ، قال صلاح الدين الجورشى ، المفكر التونسى ، الخبير فى الحركات الإسلامية ، «نريد أن يكون السلفيون جزءاً من هذه التحولات من حولنا ، بدلاً من أن يكونوا تهديداً لها ، وعلى السلفيين اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب قطع العلاقات مع الرأى العام والقوى السياسية الأخرى ، بما فى ذلك الاستعداد للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة ونبذ العنف».

والواقع أن الدعوة السلفية قد شهدت تحولاً دراماتيكياً فى أعقاب ثورة 25 يناير ، من العداء السافر للعمل السياسى والحزبى إلى الانخراط التام فى المعارك الانتخابية ، والانغماس الكامل فى الحياة السياسية ، وبالمخالفة لكل ثوابتها التى جسدتها الوثيقة المعروفة باسم «السلفيَّة ومناهج التغيير» ، وهى دراسة كتبها د. ياسر برهامى ، نشرت بمجلة «صوت الدعوة» ، الناطقة باسم الدعوة السلفية ، وحملت موقف الدعوة تجاه العديد من القضايا المهمة ، والتساؤلات الجوهرية حول موقف الدعوة السلفية تجاه مؤسسات الدولة والمجتمع أهمها: التأكيد على كفرية المجالس التشريعية التى تسن قوانين مخالفة للشرع تلزم بها العباد ، والتى ترى أن للأغلبية أن تفرض رأيها حتى ولو كان مخالفاً للشرع ، وأن الأحزاب التى تقوم على مبادئ العلمانية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية ، وغيرها من المبادئ الوضعية التى تخالف أصل الإيمان والإسلام تعد من العصبية الجاهلية والولاء للكافرين والمنافقين ، ما يستوجب على كل مسلم رده وهجره ومحاربته والتبرؤ منه.

ثم عاد ياسر برهامى بعد سنوات من نشره هذه الدراسة ، إلى تأكيده أنه كان يقصد المجالس التى تتبرأ من الشريعة ، وعلى رأسها البرلمانان التونسى والتركى.

ورغم ذلك وقبل ثورة 25 يناير ، أصدرت «الدعوة السلفية» بياناً بتاريخ 3 يوليو 2010 بعنوان «الدعوة السلفية .. بين فهم الواقع .. والمشاركة السياسية» ، أكدت فيه موقفها الرافض من المشاركة السياسية ودخول البرلمانات ، وأنه مؤصلُ بناءً على رؤية عقدية شرعية ، سنية سلفية ، ولم يكن مبنياً فقط على النظر فى الواقع الحالى أو المستقبلى ، ولم تقتصر وسائلهم فى بيان رأيهم على نشر الوعى عن طريق الخطب أو الدروس ، بل صدرت النشرات المكتوبة ، مثال ذلك (نشرة السبيل) الصادرة سنة 1986م التى ربما كانت – حينها – هى الأوراق الوحيدة المكتوبة التى تناولت موقف الدعوة السلفية فى تلك القضية وفق منهج أهل السنة.

وفى 21 يناير 2011 ، أصدر ياسر برهامى فتوى حول حكم المشاركة فى ثورة 25 يناير التى دعا لها عدد من الناشطين على الإنترنت اقتداءً بثورة تونس .. جاء فيها «إننا انطلاقاً مِن تمسكنا بديننا وشعورنا بالمسئولية تجاه بلادنا وحرصاً على مصلحتها ، وتقديماً وتغليباً لأمن العباد والبلاد فى هذه الفترة العصيبة ، وتفويتاً لمقاصد الأعداء التى تهدف إلى نشر الفتن نرى عدم المشاركة فى تظاهرات الخامس والعشرين من يناير».

وفى 29 يناير 2011 ، أصدرت الدعوة ما يسمى «البيان الأول للدعوة السلفية بالإسكندرية بشأن الأحداث الجارية» ، جاء فيه «لا يخفى على أحد ما حدث بعد مظاهرات الأمس مِن تخريبٍ للمُمْتلكات العامَّة والخاصَّة ، وعملياتِ سَلْبٍ ونَهْبٍ تُعَرِّضُ المجتمعَ كُلَّه لأعظم المخاطر ، وأَيُّ مكاسبَ تحصل للأُمَّة مِن تدمير وحَرق المبانى العامَّة والوثائق والمستندات ، وإطلاقِ سَرَاح المجرمين ، وكُلُّ هذه المصائب يُخْشَى مِن تضاعفها فى حالة استمرار الفَوْضَى».

وفى 5 فبراير 2011 شارك رموز الدعوة السلفية فى التوقيع على البيان الأول الصادر عن «الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات» ، والذى تضمن الاعتراف الشرعى بأن «المطالبات السلمية المنضبطة لا تعد خروجاً على الشرعية ، أو مخالفة للشريعة الإسلامية» ، وأن الموقعين على هذا البيان «يحتسبون المقتولين من أهل الإيمان بسبب الاعتداء عليهم – شهداء عند الله تعالى» ، وكان من أبرز الموقعين على البيان رموز وقيادات الدعوة السلفية ، وهم الشيخ ياسر برهامى ، الشيخ محمد إسماعيل المقدم ، الشيخ سعيد عبدالعظيم ، الشيخ محمد يسرى ، والشيخ أحمد فريد.

ثم عادت وأصدر بيان التحول الجوهرى فى 22 مارس 2011 والذى جاء فيه «تعلن الدعوة السلفية أنها بعد التشاور والمحاورة فى ضوء المتغيرات الجديدة قد قررت المشاركة الإيجابية فى العملية السياسية ، وأنها بصدد تحديد الخيار المناسب لصورة هذه المشاركة».

وهكذا فى بضعة كلمات قليلة لا تسمن ولا تغنى من جوع حولت الدعوة مسارها التاريخى والعقائدى بالمشاركة فى العملية السياسية ، وبالتالى تأسيس الأحزاب والمشاركة فى الانتخابات والمجالس النيابية.

وفى 8 أبريل 2011 ، واصلت الدعوة تراجعاتها الفكرية والعقائدية حول حرمة المشاركة فى المظاهرات بإعلان تأييدها المطالب العادلة للجماهير المصرية التى ستتظاهر سلمياً يوم الجمعة 8/4/2011 ، لاسترداد حقوقها المنهوبة ، وتعجيل محاكمة جميع المفسدين الذين أجرموا فى حق الشعب والثوار قبل وأثناء الثورة ، على أن تقتصر المظاهرة على يوم الجمعة.

وتبلور الدعوة موقفها فى 30 نوفمبر 2011 ، بفتوى صادرة عن ياسر برهامى حول ضوابط الخروج والتواجد فى المظاهرات ، جاء فيها «نحن لا نشترك فى هذه المظاهرات مهاجمين الشرطة أو غيرهم ؛ بل لنكف أيدى الناس بعضهم عن بعض ؛ ولمنع سفك الدماء ، وشعارنا: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ) (المائدة:28) ، فإما أن تحضر بهذه النية وهذا السلوك ، ويكون ذلك مع إخوانك الملتزمين ، وتكونون يداً واحدة فى الدعوة إلى الله ؛ وإلا فلا تحضر.

بل وتحولت المظاهرات إلى سلاح جديد لدى الدعوة السلفية ؛ حيث أعلنت الأحزاب السلفية ممثلة فى أحزاب «النور» و«الأصالة» و«الإصلاح» السلفية ، و«البناء والتنمية» فى بيان لها فى 3 نوفمبر 2011 عن رفضه الوثيقة التى أصدرها الدكتور على السلمى ، نائب رئيس الوزراء ، والتى تضمنت مبادئ اللجنة الدستورية «جملة وتفصيلاً» ، ومهددة بالتظاهر.

وبعد انتظار طويل تعود الدعوة السلفية فى مقال منشور على موقعها فى 19 أكتوبر 2016 لياسر برهامى تحت عنوان «أسباب تواجدنا فى المشهد فى السياسى» لتعلن أن التواجد فى المشهد السياسى إنما هو لأجل التغيير نحو الأصلح ، وهو «الإصلاح الحقيقى» ويشمل دائرة هوية الأمة ، وعدم التنازل عنها والتأكيد عليها ، والتأثير فى طبقات المجتمع بالخلطة بالناس فى كل المجالات ؛ لنظهر لهم الصورة الصحيحة للعمل الإسلامى ، وقول الحق وإقامة الحجة.

شاهد أيضاً

د. أحمد سامي العايدي يكتب: مبادرة أذربيجان “للتضامن الإسلامي” خطوة جديدة وفريدة نحو وحدة العالم الإسلامي

(1) لم يكن إعلان الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في العاشر من يناير من العام الحالي …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co