الإثنين , 19 نوفمبر 2018
رئيس التحرير محمود الشرقاوي
العادات النوبية في جزيرة بيجا الاسوانية

مشروع بيجا يعيد يحيي التراث النوبي ويعيد أهالي هجروا الجزيرة الأسوانية 40 عامًا

>> المشروع يضم البيوت النوبية ومطعما نوبيا وقاعة للفاعليات الثقافية وشاطئ للاستحمام .. ويستخدام مياه الصرف المعالجة لزراعة اللوتس والبردى

>> المشروع صديق للبيئة يحظر استخدام التكييفات ومواد البناء التقليدية

كتب – عبد الرحمن الشرقاوي: 

«أسوان» هى مدينة السحر والجمال والطبيعة، درة النيل ومنبع الحضارة، تلك المدينة الخيالية التى لا تزال تحتفظ بعبق الماضى، حيث يلتقى الإنسان المعاصر بالفراعنة العظماء الذين علموا البشرية الحياة.

وبالرغم من تمتع أسوان بمكانة سياحية عالمية، حيث إن الجميع من أقصى العالم وأدناه يسعى لزيارتها خاصة فى فصل الشتاء إلا أنه هناك كنوز لا تزال متسترة بداخلها لا تحتاج سوى للإرادة والتفكير السليم ثم تنفيذ بعض الأمور البسيطة لتظهر نجوم مضيئة على أرض الحضارة تغير ملامح السياحة عليها وتضيف إليها الكثير من السحر والجمال الطبيعى، فتعود أكثر لتذكرنا بعظمة الأجداد.

إحدى الشركات العاملة بمجال السياحة «البيئية والمغامرة» نفضت الغبار عن إحدى النجوم المضيئة التى اختفتى بريقها تحت التراب بأسوان فنفذت فكرة أكثر من ناجحة، حققت من خلالها مكاسب على مختلف الأصعدة فمن جهة تمكنت من اكتشاف نوع جديد وحقيقى من السياحة البيئية التى تهم قطاعا كبيرا من السياح الأجانب والأثرياء، ومن جهة أخرى أنقذت جزيرة نوبية من الخراب ووفرت لأهلها فرص عمل جعلتهم يعودون إليها بعد أن هجروها لأكثر من 40 عامًا.

أما من جهة ثالثة فحققت التوازن البيئى وحافظت على بيئة الجزيرة ضد التلوت كما جعلت من شكل المنازل النوبية وطبيعة الطعام هناك بمثابة «براند» يقصده الزائر والسائح ويدفع مبلغا أكبر كى ينعم بطبيعة الحياة النوبية والطعام النوبى الفريد الذى كاد يختفى لولا هذه الفكرة.

المهندس أحمد يحيى، أحد المسئولين عن تنفيذ هذه الفكرة تحدث عن التفاصيل التى وصلت به وبفريق عمله لهذه الفكرة، قائلًا: لم أبدأ حياتى المهنية بالعمل فى مجال السياحة فأنا فى الأساس مهندس بعلوم الكومبيوتر وكنت أعمل بمجال التسويق والاتصالات، ولكنى كنت أحب السفر والرحلات التى يغلب عليها طابع المغامرة، وكنت بالفعل أشترك فى الكثير من الرحلات غير التقليدية حتى أننى منذ عام 2002 وحتى 2013 تعرفت على أماكن كثيرة بمصر لم أكن أعلم بوجودها من الأساس خاصة بالواحات وسيوة ومنطقة بحر الرمال وحلايب وشلاتين وجبال سيناء ومنطقة النوبة بأسوان.

وأضاف: فى عام 2007 بدأت الدخول فى مجال السياحة وخلال رحلات شركتى لأسوان كنا نزور قرية نوبية تعرف بـ«غرب سهيل» وهى قرية يزورها السائح باعتبارها انعكاسا للحياة النوبية بأشكال بيوتها وطبيعة أهلها بها بازارات ورحلات جمال ولكنها فى نظرى كانت أشبه بالتمثيل، حيث إن مظاهر الحياة فيها لم تكن طبيعية وكأن أهلها يتصنعون ذلك لجذب السياحة وكانوا يتعاملون بطابع تمثيلى وكأنهم يمثلون أنهم نوبيون.

وتابع: فى عام 2010 كنا نبحث عن مكان لعقد مهرجان سياحى فدعانى أحد أصدقائى النوبيين لعمل المهرجان بقرية نوبية تدعى «هيصة» وبمجرد دخولى لهذه القرية اكتشفت أنها مكان رائع كل من فيه نوبيون والحياة به نوبية حقيقية ليس بها تمثيل أو ادعاء فهم لا يعملون بالسياحة ولا يستقبلون أى زائرين.

واستطرد: بعد المهرجان تواصلت مع أهل القرية وطلبت منهم أن اصطحب بعض أصدقائى لقضاء عطلة عندهم فلم يمانعوا ولكنهم سألونى «بس إحنا ما عندناش فنادق حتقعدوا فين؟» فأجبتهم ممكن نعمل كامب على أحد الشواطئ وأنتم مش مطلوب منكم غير تأكلونا وتشربونا بس، فوافقوا وبالفعل ذهبت ومعى مجموعة من أصدقائى فى رحلة تجريبية وكانت رحلة ناجحة جدًا وكل من معى شعروا بفرح غير عادى، إضافة إلى أن أهالى القرية حققوا بعض المكاسب المادية من تقديم الخدمات لنا.

وواصل: فى 2013 فتحت شركتى الخاصة وقررت عمل رحلات «كامب» بجزيرة هيصة ففوجئت بالأهالى يعرضون علينا تأجير أحد البيوت النوبية بالجزيرة بسبب برودة الجو بالشتاء ليلًا فعجبتنى الفكرة ولكنى طلبت منهم عدم إحداث أى تغيرات بالمنزل وأن يظل على وضعه باستثناء تغير بسيط بالحمامات وبعض أعمال النظافة حتى يشعر الزائر بأنه بالفعل يعيش فى نفس بيوت السكان الأصليين وكانت فكرة ناجحة حيث لاقت قبولًا كبيرًا من قبل الزوار والسائحين وحتى أهالى الجزيرة تحسنت أوضاعهم المادية كثيرًا وبدأوا يعرضون علينا أكثر من بيت وباتوا أكثر حرصًا على شكل الجزيرة والحفاظ على مظهرها النوبى، فبعد أن بدأنا ببيت واحد بات لدينا حاليًا 26 بيتا يتم تأجيرها من أهالى الجزيرة.

وأشار يحيى إلى أنه مع نجاح تجربة جزيرة هيصة وانتعاش الحالة الاقتصادية لسكانها طلب بعض الأشخاص لقاءه وتبين أنهم من سكان جزيرة مجاورة تدعى «بيجا» عرضوا عليه تكرار تجربة هيصة لديهم بعد أن تدهورت أحوال جزيرتهم وهجروها منذ 40 عامًا، لافتًا إلى أنه بمجرد نزوله لبيجا فوجئ بأنها تتمتع بموقع سياحى متميز فهى على النيل مباشرة ويستطيع السائح من خلالها رؤية معبد فيلة بصورة واضحة، ولكنها كانت مجرد أطلال حيث هجرها أهلها منذ سنوات بعيدة.

وأضاف، أن الجزيرة لا يصلها ماء ولا كهرباء ولا صرف صحى وكان يعانى أهلها من سوء الأوضاع الاقتصادية فهجروها للعمل بالجزر النوبية الأخرى، فتهدمت المنازل وصارت أشبه بالخرابات، مشيرًا إلى أنه لتطوير القرية جملة واحدة ستحتاج لمبالغ هائلة، إضافة إلى أن الأهالى حالتهم الاقتصادية لا تسمح بالمشاركة ماديًا فى هذا المشروع ولذلك فكرنا فى أن نبدأ بخمسة بيوت فقط من جملة 30 بيتا هى عدد بيوت الجزيرة، فتعاقدنا مع أصحابها الذين أسرعوا بإدخال المرافق لبيوتهم ثم بدأنا فى إعادة بناء هذه البيوت.

وتابع: كان لابد عند إعادة بناء البيوت من مراعاة أن تحتفظ بنفس التصميم ونفس طريقة البناء القديمة فاستقدمنا عمالا من قرية نوبية «المحاميد» مشهورين بالبناء النوبى والقباب باستخدام الحجر والطين، كما حرصنا على أن تكون المبانى بالكامل صديقة للبيئة ولذلك استبعدنا طرق البناء التقليدية باستخدام الأسمنت والطوب الأحمر والبلاستيك.

واستطرد: ومن خلال معاينة أطلال البيوت تبين أنها كانت مبنية من الجرانيت والطين فأعدنا تجميع قطع الجرانيت القديمة وربطناها معًا باستخدام الطين، وحرصنا على أن يكون سمك الحائط 80 سم بدلًا من 25سم كما فى المبانى المعتادة، وحددنا مواقع النوافذ بدقة حتى نتفادى ارتفاع درجة الحرارة فلا نحتاج لتركيب التكيفات لأنها ستغير شكل البيوت كما ستكون ضارة بالبيئة وهو ما يتنافى مع مبادئ السياحة البيئية التى نعمل بها.

وأوضح أنهم لتحقيق ذلك أجروا مسابقة لعدد من الشركات لاختيار أفضل تصميم صديق للبيئة، وبالفعل تقدمت 13 شركة فازت من بينها 3 شركات وهم من يتولون بناء البيوت حاليًا، مشيرًا إلى أن المشروع ليس فقط مبانٍ وبيوت وإنما يضم مطعما لا يقدم إلا طعاما نوبيا فقط، وشاطئا للسباحة، وقاعة لتنظيم الأحداث الثقافية، كما يضم بجانبه مشروعا لزراعة اللوتس وورق البردى من خلال معالجة مياه الصرف الصحى واستخدامها فى الزراعة بدلًا من إلقائه بالنيل.

وأشار إلى أنه تم اختيار اللوتس والبردى تحديدًا لزراعتهما يعد عودًة لطبيعة هذه البلاد وإحياء لرمزين هامين من رموز الحضارة الفرعونية، فضلًا عن كون استخدام البردى فى الصناعة سيوفر فرص عمل لنساء وأبناء القرية، وسيتيح لهم تسويق منتجاتهم للسائحين والزوار.

وفيما يخص استخدام الشاطئ للسباحة قال يحيى إن هناك شروطا لذلك وهو عدم استخدام واقى الشمس أو دهن الجلد بأى مستحضر قبل نزول المياه حتى يتم الحفاظ على نظافتها كما سيتم الالتزام بالاستحمام قبل نزول الشاطئ، مشيرًا إلى أن السياحة فى أسوان بشكل عام تعمل خلال ستة أشهر من الشتاء فقط بداية من شهر أكتوبر وحتى شهر مارس وفى هذه الفترة لا تكون الشمس حارقة للدرجة التى تستدعى استخدام المستحضرات الواقية من الشمس «صان بلوك».

وعما تم إنجازه بالمشروع حتى الآن وموعد الافتتاح قال يحيى: فى ديسمبر الماضى افتتحنا بالفعل المطعم النوبى وهو قائم ويعمل على زوار معبد فيلة، وتعتمد فكرته بالأساس على تقديم وجبات نوبية فقط وكانت بدايته عندما فوجئنا بأن أحد أهالى الجزيرة يعمل شيفا وله خبرة واسعة فى فنادق عالمية وخارج البلاد فطلبت منه أن يجمع كافة الوجبات النوبية التى كادت تندثر.

وأضاف: بذل الشيف مجهودا كبيرا للقاء كافة السيدات القدامى بالنوبة بداية من أقاربه كوالدته وعماته وصولًا لمن لا يعرفهن وحصل من خلالهن على عدد كبير من الوصفات النوبية حتى أنه يقدم وجبات نوبية قديمة لا يعرفها حتى النوبيون الحاليين أنفسهم، وجميع الوجبات تقدم فى طواجن الفخار ومن أشهر الأطباق التى يقدمها طبق الكوسوجو كريت وهو عبارة عن طاجن لحم بصوص البامية المطحونة يقدم مع العيش النوبى.

وأوضح أنه فى أكتوبر المقبل سيتم افتتاح كل من البيوت والغرف وتقدر بـ8 غرف منفصلة كل غرفة بها الحمام الخاص بها، تستوعب 19 شخصا، كما سيتم افتتاح الشاطئ وقاعة المؤتمرات والأحداث الثقافية.

ولفت إلى أن نوعية السياحة البيئية والتى يمثلها هذا المشروع أغلى بكثير من أسعار السياحة العادية حتى أن ثمن اليوم الواحد بها قد يكون ثمن رحلة بأكملها بفندق خمس نجوم وذلك لأنها تقدم نوعا مختلفا من السياحة تكون الطبيعة والحفاظ عليها وأصحاب المكان جزء من المشروع ولابد من أن يكون العائد منها مغريا لأهالى القرية ليحافظوا على تراثها ويستمروا فى المشروع، فضلًا عن كونها تجذب فئة معينة من الزائرين والسائحين العاشقين للمغامرة والذين ملوا الرحلات التقليدية.

وحول طبيعة الاتفاق بين الشركة وبين أهالى جزيرة بيجا قال: الوضع فى بيجا مختلف عن هيصة الثانية كانت المبانى جاهزة وكاملة المرافق وبالتالى فالتعامل معها يكون من خلال تأجير هذه البيوت لصالح الشركة أما بيجا المبانى كانت منهارة والأهالى لم يكونوا مستعدين ماديًا لإعادة إنشائها ولذلك فالشركة هى من تولت كافة أمور التشييد والبناء وتكلفة دخول المرافق وحصلت عليها حق انتفاع من الأهالى لفترة زمنية معينة بمقابل مادى.

وأضاف: فى كلا المشروعين هناك اتفاق موحد أن يكون الأولوية للعمل فى المشروع لأهالى الجزيرة فإن لم نجد التخصص المطلوب بالجزيرة نبحث عنه فى الجزيرة المجاورة وإن لم نجده نبحث عنه فى النوبة بالكامل وذلك لأن شرط المشروع أن تكون كافة العمالة من النوبة.

شاهد أيضاً

على هامش منتدى شباب العالم :  التعليم والصحة… مشكلات تواجه الصم والبكم

أجرت الحوار: أمنية حجاج لم تمنعهم ظروفهم الخاصة عن أن يكونوا من أوائل المشاركين في …

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co