الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
رئيس التحرير محمود الشرقاوي

مصطفى الهادي يكتب: سنة الله في الأنبياء .. أين دفن النبي (ص)؟

قبل بعثة النبي (ص) كان العالم كله مستقر لحكم إبليس وعبادة الشيطان ، عبادة الاصنام ، ملحدون ، لا ادريون وثنية بكافة اشكالها ، فلم يكن لإبليس واتباعه همّ سوى مطاردة من يثبّت انه على ديانة الحق فيقوموا باغوائهم او قتلهم ، ولما بُعث النبي (ص) صاح ابليس صيحة عظيمة وغُلت الشياطين ورُجمت بالشهب وحال بينهم وبين السماء حرسً شديدا وشهبا (أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) (1) ، لقد كانت ولادة النبي وبعثته حزنا على قلب إبليس ، ويوم وفاتة فرح وسرور بسبب بوادر الانقلاب على الاعقاب في هذا الدين التي بدأت تطل برأسها.

لم تكن وفاة النبي مصيبة في ذاتها إذا كانت رسالته من بعده تسير وفق ما خُطط لها لأن من سنّة الرب هو عدم خلود البشر (انك ميت وانهم ميتون) (2) ، كل البشر يحكمهم الموت وضيعهم وسيّدهم ، ملكهم ومملوكهم ، ولكن ومن خلال مطالعتنا لسير الانبياء نجدهم قبل رحيلهم يخبرون أتباعهم بما سوف يحصل بعدهم من خير أو شر ، وهو ما يُعرف بالنبوءات التي هي جزء من الوحي ايضا لأن الانبياء لا يخبرون من عند انفسهم إنما هم يتلقون ذلك بطرق شتى من عند الله ولا يُضيفون أي كلمة عليه ولا يُغادرون هذه الدنيا إلا بعد اكمال رسالتهم وهذا ما نراه وضحا في قول السيد المسيح (ع) الذي يقول: (العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته ، وآمنوا أنك أنت أرسلتني) (3) ، وهو على غرار قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) (4).

صحيح ان موت الأنبياء وما يُصاحبه من انقطاع للوحي هو مصيبة عظمى ولكن ما يحصل بعد رحيل الأنبياء هو المأساة الكبرى التي تُصيب اي دين ، ومن هنا يبدأ الحزن ولو أخذنا نماذج من حياة الأنبياء لرأينا أن ما حصل بعد وفاتهم أو أثناء احتضارهم يكاد يكون قضية واحدة ، وهو يجري على يد طابور خفي كان ينمو ببطيء مع نمو الرسالة يعمل بسرية تامة لتغيير الأوضاع بعد رحيل الانبياء وهذا الطابور يُظهر إيمانا ويُبطن نفاقا وكفرا وهم منظّمون تنظيما جيدا ولهم قيادات توجههُم ، وهذا الطابور يُحاول بشتى الاعذار ان لا يصطدم بالتيارات الأخرى الموجودة المعنية بعملية الإصلاح مثل اليهود والنصارى والمشركين فاتباع هذا الطابور لا يقتلون احد ، لا بل لربما تكون هناك اتفاقيات سرية بين هذا الطابور وبين تلك التيارات المنحرفة.

هذا الطابور تجده في كل الديانات لا بل يقف متربصا وراء كل عملية اصلاحية يتحين الفرص ليقفز على انجازات هؤلاء الأنبياء والمصلحين لا بل ان كثير من الأنبياء وخلفائهم والمصلحين تعرضوا إلى خطر ماحق على يد هذا الطابور وقد انتهى الكثير منها بتصفية الأنبياء جسديا ، فبينما كان الشيطان يتصدى شخصيا للأنبياء ورسالاتهم ، اصبح له اتباع فيما بعد يؤدون أدواره بكل احترافية وهذا ما رأيناه في امرأتي نوح ولوط وتآمرهما مع قومهما ضد ازواجهم الأنبياء ، وكذلك ما رأينا من قيام السامري بالانقلاب وصناعة العجل وكذلك تواطيء زوجة موسى (صافوراء) مع مجموعة من الانقلابيين وحربهم على يشوع (يوشع) وحلول صافوراء المنافقة كنموذج رسالي بدلا من (مريم) اخت موسى الطاهرة الزكية ، وهذا ما حصل أيضا مع يوحنا الذي قطعوا رأسه والسيد المسيح الذي تآمروا عليه وأمه القديسة مريم ، وكذلك (مريم المجدلية) التي حلّت بدلا من مريم العذراء وأعطوها مساحة كبير من تاريخ المسيحية إلى هذا اليوم ، وحلّ (بولص شاول) بدلا من السيد المسيح وجاء بإنجيل جديد بعد أن تم اتلاف إنجيل السيد المسيح (5) ، ثم يتكرر المشهد نفسه مع رسالة محمد (ص) فيتواطيء بعض كبار صحابته لتغيير الامور بعده وحرف مسار الرسالة فحلّ فلان وفلان بدلا ممن عينتهم السماء ، وحلت زوجة النبي مقام ابنته السيدة فاطمة.

كل هذه التغييرات والانقلابات والخيانات التي تحصل بعد الانبياء ومن اقرب المقربين إليه هي السبب في الحزن وليس وفاة النبي الذي هو ميّت على اي حال ، ولو تمعنا في ما جرى بعد وفاة الأنبياء لرأينا شيئا غريبا يحصل وهو اختفاء قبور الأنبياء مع أن عددهم بعشرات الألوف مثلا لو اخذنا وفاة موسى لرأينا شيئا غريبا حصل وهو دفن موسى سرا واخفاء قبره كما نقرا: (فمات هناك موسى عبد الرب ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم) (6).

وهكذا بالنسبة إلى السيد المسيح أيضا حامت الشبهات حول قتله ولم ينقطع الجدل حول ذلك طيلة قرون فلم يخبرنا أحد بحقيقة القبر الفارغ فكل ما وصلنا هو قول (وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر ، فنظرت الحجر مرفوعا عن القبر ، فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وقالت: أخذوا السيد من القبر ، ولسنا نعلم أين وضعوه!) (7).

من كل ذلك فانا اشك أيضا في أن قبر النبي محمد (ص) قد تم اضاعته أو اخفاءه أيضا كما فعل الامام علي (ع) بقبر ابنته السيدة الزهراء (ع) ، وكذلك اخفاء قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام طيلة قرون ، ومحاولة هدم قبر الحسين (ع) ، ولا تزال قبور البقيع شاهدة على ظلم الإنسان وكفره .

اغلب الروايات في هذا الشأن تقول بأن ابا بكر وبعض الصحابة كان آخر عهدهم بالنبي (ص) هو أنهم جاؤوا فكشفوا عن وجهه ليتأكدوا من موته ثم هرعوا إلى السقيفة يتنازعون لمدة يوم وليلة بينما دفنه الامام علي وسوّى عليه التراب ومحا قبره بثلاث قرب من الماء ، ولا يوجد لنا اثر سوى قول عائشة المبهم (ما علمنا بدفن رسول الله حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل) (8) ، فكيف يزعم البعض ان النبي دُفن في حجرتها وهي لا تعلم بدفنه؟؟

فالنبي (ص) وابنته دُفنا ليلا ، ولعل القبر الذي يزوره المسلمون اليوم قبرٌ وهمي دُفن فيه ابو بكر وعمر فقط لتقديسهما بدلا من النبي ، بينما قبر الرسول أخفي عن الأعين إما بأمر منه أو بخطة من قبل الإمام علي (ع) وبني هاشم لعلمهم بالمتربصين بالنبي حيا وميتا ، وخصوصا من بني أمية والمروانيين المتربصين به وبرسالته الذين يطلبون النبي ثأرا مصيريا لأنه سلب الحكم والجاه من بني أمية وجعلهم الطلقاء.

وطرد الحكم بن العاص الطليق أيضا مع ابنه مروان الذي كان عمره آنذاك سبع سنين طردهم من مكة والمدينة ولعنهم ونفاهم إلى الطائف والذي اطلقوا عليه طريد رسول الله (ص) لأنه كان يستهزأ بالنبي (ص) (9) ، لقد كان هؤلاء ينتظرون فرصة موت النبي وانقطاع الوحي الذي كان يفضحهم ويفضح تآمرهم وخططهم ليقوموا بعملية التغيير في رسالة الاسلام وهذا ما فعلوه بكل دقة فحرفوا وغيروا وبدلوا كل شيء (10) ، حتى الكعبة أحرقها الأمويون وابن الزبير ،  فلم يبق إلا (قبر النبي) الذي بقى شاخصا فبقى إلى زمن الوليد ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم طرداء رسول الله وملعونيه الذي عمد إلى اضاعة القبر تحت حجة توسيع مسجد رسول الله (ص) فأدخل كل بيوت ازواج النبي فيه ومن ضمنها القبر بطريقة اضاعت معالمه ، وأما مكة فقد عمد عبد الملك إلى ادخال قبة الصخرة إلى المسجد الأقصى لكي ينقل الحج من مكة إليه كما يقول المؤرخون (11) ، ولم تتوقف عملية الطمس حتى هذا اليوم الذي قامت به الوهابية بالاجهاز على آخر آثار الرسول وتراثه وتقديم دين محمد بن عبد الوهاب بدلا من دين محمد بن عبد الله.

المصادر

1- سورة الجن آية – 8.

2- سورة الزمر آية – 30.

3- إنجيل يوحنا 17: 6 – 8.

4- سورة المائدة آية – 3.

5- الانجيل الذي جاء به بولص والذي ذكره في إنجيله ثلاث مرات مثل قوله في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 16 – 25 (وللقادر أن يثبتكم ، حسب إنجيلي ).

6- إنجيل يوحنا 20 – 2.لقد اختفت قبور الانبياء بينما نرى التنقيب والبحث عن قبور الفراعنة والقياصرة لبعثهم وإحياء مجدهم من جديد.

7- سفر التثنية 34 – 5.

8- مسند أحمد بن حنبل ـ ج6 ـ ص 62 شعيب الأرنؤوط 24378.

9- مسند أحمد – مسند المكثرين – مسند عبدالله رقم الحديث: ( 6233 ) عن ‏عبد الله بن عمرو‏ ‏قال: ‏كنا جلوساً عند النبي ‏(ص) ‏‏وقد ذهب ‏‏عمرو بن العاص‏ ‏يلبس ثيابه ليلحقني ، فقال: ‏‏ليدخلن عليكم رجل لعين ، فوالله ما زلت وجلاً أتشوف داخلاً وخارجاً حتى دخل ‏‏الحكم ، وقال عبد الله بن الزبير وهو على المنبر: ورب هذا البيت الحرام ، والبلد الحرام ، إن الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

10- روى البخاري المجلد الأول ، الكتاب العاشر حديث رقم 507 عن أنس بن مالك قال: ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي (ص)! قيل آلصلاة؟ قال أليس ضيَّعتم ما ضيَّعتم فيها ، وقال: سمعت الزهري يقول: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف شيئاً ممّا أدركت إلاّ هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيّعت(لقد قُضيَ على كل ما جاء به محمد (ص)).

11- كان المسجد الاقصى قبل الكعبة موجودا في زمن النبي (ص) وكان المسلمون يُصلون إليه ولكنه لم يكن من آثار الاسلام بل كان من مخلفات الاديان السابقة. في البداية والنهاية لابن كثير فى أحداث عام 66 ، قال: (وفيها‏ ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء المسجد الأقصى ومنع الناس من الحج إلى مكة نكاية بابن الزبير ، فبنى القبة على الصخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم لكي لا يميلوا إلى ابن الزبير الذي كان يُسيطر على مكة ، وكانوا يقفون عندالصخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة ، وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم ، بحيث إن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج فكانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس ، وافتتن الناس بذلك افتناناً عظيماً ، وأتوه من كل مكان) ثم جاء ابو جعفر المنصور فجدد بناءه في سنة أربعين ومائة ، وكان المسجد طويلاً فأمر المنصور أن يؤخذ من طوله ويزداد في عرضه) ظل إفتتان الناس بالكعبة البديلة الذى صنعها عبد الملك وابنه الوليد فى القرن الأول الهجرى الى عصر المؤلف ابن كثير فى القرن الثامن الهجرى .

شاهد أيضاً

وفد المنظمة الدولية للفرانكوفونية يشيد بدور الأزهر في ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح

كتب – محمد الشحات: استقبل فضيلة الإمام الأكبر أ.د أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by themekiller.com watchanimeonline.co